معضلة الجامعات.. في الخلط بين التخطيط والاستراتيجية!

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
معضلة الجامعات.. في الخلط بين التخطيط والاستراتيجية!, اليوم السبت 2 مايو 2026 11:33 مساءً

تسعى الجامعات، في ظل التوجه المتزايد نحو تبني نماذج مستوحاة من قطاع الأعمال، وتصاعد الضغوط المرتبطة بخفض التكاليف وتعظيم الكفاءة، إلى تطبيق مفاهيم مثل «التحول الاستراتيجي»، و«إعادة الهيكلة»، و«الاستدامة المالية». غير أن عديد المبادرات يكشف عن إشكالية مفاهيمية عميقة تتمثل في الخلط بين التخطيط والاستراتيجية؛ إذ إن ما يقدم بوصفه استراتيجية لا يتجاوز في كثير من الحالات كونه إجراءات تشغيلية تستهدف خفض التكاليف وإدارة الموارد، دون أن يستند إلى رؤية مؤسسية متكاملة تحدد مستقبل الجامعة وهويتها الأكاديمية، وتعزز قدرتها على بناء ميزة تنافسية مستدامة، بما ينعكس لاحقا على تعزيز العوائد غير المباشرة والدعم المجتمعي طويل المدى.

وقد أدى هذا الخلط إلى بروز موجة من الإصلاحات الجامعية التي تبدو ذات كفاءة إدارية، لكنها مضطربة استراتيجيا؛ إذ أصبحت الجامعات منشغلة بالكفاءة التشغيلية أكثر من انشغالها بتحديد دورها المعرفي والمجتمعي المستقبلي. ومع أن أهمية التخطيط في ضمان الاستدامة التشغيلية، فإنه لا يمكن أن يحل محل الاستراتيجية، لأن الكفاءة الإدارية وحدها لا تكفي لبناء جامعة مؤثرة قادرة على قيادة المعرفة وإنتاجها. إذ يرتبط التخطيط بتنظيم الموارد وإدارة الأنشطة وتنفيذ القرارات، بينما ترتبط الاستراتيجية بتحديد الهوية المؤسسية، وبناء الموقع التنافسي، وصناعة القيمة على المدى الطويل. وبصياغة أدق، يجيب التخطيط عن سؤال: كيف ننفذ؟ في حين تجيب الاستراتيجية عن أسئلة أعمق: ما الذي تسعى الجامعة إلى أن تكونه مستقبلا؟ ولماذا يمكن لنموذجها المؤسسي أن ينجح ويستمر في بيئة معرفية واقتصادية واجتماعية شديدة التغير؟

ولذا تنشأ الإشكالية عندما تنطلق عملية صنع القرار في الجامعات من منطق الكفاءة الإدارية بدلا من منطق الرسالة الأكاديمية. فغالبا ما تبدأ النقاشات بأسئلة تتعلق بخفض الإنفاق، وتحسين مؤشرات الكفاءة، وزيادة الأعباء التدريسية، ودمج الخدمات، وتقليص البرامج منخفضة الإقبال. ورغم أن هذه الأسئلة التشغيلية والإدارية قد تكون ضرورية، فإنها لا تمثل استراتيجية بحد ذاتها. إذ قد تنجح الجامعة في رفع كفاءتها التشغيلية وتحسين مؤشراتها المالية على المدى القصير، لكن قد تكون على حساب جودة العملية التعليمية وقدراتها البحثية، وتميزها الأكاديمي، بما قد يفضي في المدى البعيد إلى تراجع مكانتها العلمية. أما الاستراتيجية، فتنطلق من أسئلة مختلفة جذريا؛ إذ تبدأ بتحديد هوية الجامعة المؤسسية للسنوات القادمة، وتحديد موقعها في المشهد الأكاديمي والبحثي، بناء استشراف التحولات الاقتصادية والتقنية والاجتماعية المستقبلية، وتحديد المجالات التي يمكن للجامعة أن تحقق فيها قيمة معرفية ومجتمعية متميزة. وبذلك، تمثل الاستراتيجية البوصلة التي توجه القرارات وتحدد الاتجاهات قبل الانشغال بإعادة ترتيب الموارد والعمليات، بما يضمن اتساق القرارات التشغيلية مع رؤية مؤسسية طويلة المدى قادرة على تحقيق الاستدامة وصناعة التميز.

يمكن تفسير كثير من تحديات إعادة الهيكلة الجامعية بغياب هذا التمييز المؤسسي (الهوية والتموضع الاستراتيجي). فعندما تكون الكفاءة المالية هي القيمة الأساس والمبدأ المنظم لصناعة القرار، تتحول الجامعة تدريجيا من مؤسسة معرفية ذات قيمة وموثوقية اجتماعية إلى جهاز إداري يدار بمنطق الخدمة التشغيلية.

ومن المفارقات، قد تؤدي كثير من مبادرات «رفع مستوى الكفاءة الإدارية» إلى زيادة التعقيد الإداري، وتعزيز المركزية الشديدة، لتصبح الجامعة أكثر انضباطا بيروقراطيا، لكنها أقل قدرة على الابتكار والتكيف والاستجابة للتحولات المعرفية. ومن هنا، تحتاج الجامعات إلى أفق استراتيجي يتجاوز الحسابات المالية الآنية، ويستند إلى تساؤلات جوهرية تتعلق بهويتها المؤسسية، وطبيعة القيمة المضافة التي تميزها، والدور المعرفي والتنموي الذي تسعى إلى تحقيقه على المدى البعيد.

وتتزايد أهمية التمييز بين الاستراتيجية والتخطيط في سياق الحراك الإصلاحي المؤسسي الذي تقوده رؤية المملكة 2030، حيث يتوقع من الجامعات أن تؤدي دورا محوريا في دعم الاقتصاد المعرفي وتعزيز القدرة التنافسية، والإسهام في تنويع القاعدة الاقتصادية، ودعم الابتكار، وبناء رأس المال البشري، وتعزيز البحث والتطوير، والمشاركة في مسارات التحول الرقمي والتنموي. غير أن تحقيق هذه الأهداف لا يمكن أن يتم عبر خطط تقشفية أو إجراءات إدارية ذات طابع تشغيلي بحت تحت غطاء التخطيط الإداري، بل يتطلب جامعات تمتلك رؤية استراتيجية واضحة، وحوكمة رشيدة، ومرونة مؤسسية عالية، وقدرة على بناء مجالات تميز بحثية ومعرفية مستدامة على المدى الطويل. ومن ثم، لا يفترض أن تكون صناعة القرار في الجامعات مجرد ردود فعل آنية، بل ينبغي أن تنطلق من كونها مؤسسات ريادية تسهم في استشراف المستقبل، وإنتاج المعرفة، وتشكيل الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية، بما يتجاوز الاستجابة اللحظية لمتطلبات السوق أو الضغوط المالية قصيرة المدى.

ومن هذا المنطلق، فإن الجامعة ذات التوجه الاستراتيجي لا تبدأ من سؤال: كيف نخفض التكاليف ونزيد العوائد؟ بل من سؤال أعمق: أين ينبغي أن نستثمر لبناء قيمة أكاديمية ومجتمعية مستدامة؟ وقد تتطلب الإجابة إعادة هيكلة بعض البرامج أو دمج بعضها، إلا أن هذه القرارات يجب أن تكون جزءا من رؤية مؤسسية متكاملة، لا مجرد استجابة مالية ظرفية. فالاستراتيجية الحقيقية تقوم على مجموعة من الاختيارات المترابطة والمفاضلات الواعية بين البدائل، بما يقود إلى إنشاء تخصصات جديدة أو إعادة تشكيل وتطوير التخصصات القائمة ضمن رؤية مؤسسية متكاملة تعزز مكانة الجامعة وتضيف قيمة ابتكارية لبرامجها الأكاديمية، بعيدا عن مجرد التكيف مع اعتبارات العائد السريع أو المصالح الضيقة. ومن ثم، فإن دور الجامعة لا يقتصر على تلبية احتياجات السوق القائمة، بل يمتد إلى الإسهام في تشكيل الأسواق المستقبلية، وبناء القدرات الوطنية، وإنتاج المعرفة، وتوجيه التحولات التنموية طويلة المدى.

ويبقى التساؤل الجوهري للجامعات التي تتطلع للتميز والاستدامة: ما نوع الجامعة التي نريد بناءها في المستقبل؟ وما القيمة المعرفية والتنموية التي يفترض أن تميزها؟ وعندها فقط يصبح للتخطيط وإعادة الهيكلة والميزانيات والإجراءات التشغيلية معنى حقيقي يخدم غاية استراتيجية واضحة، بدلا من أن تتحول الجامعة إلى مؤسسة أكثر كفاءة إدارية، لكنها تفقد تدريجيا مكانتها وقيمتها المؤسسية، وتتراجع قدرتها على أداء رسالتها الأكاديمية والحضارية والتنموية.

أخبار ذات صلة

0 تعليق