حين نرفع شعارات لا نمارسها

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين نرفع شعارات لا نمارسها, اليوم السبت 2 مايو 2026 11:33 مساءً

ليس عسيرا على الناس أن يتحدثوا عن سعة الأفق، ولا أن يمدحوا الإنصاف، ولا أن يعلنوا قبولهم للرأي المخالف ما دام الأمر في حدود الكلام العام؛ لكن الامتحان الحقيقي يبدأ حين يصبح الخلاف قريبا من النفس، ملامسا لما نحب، أو لما اعتدنا الدفاع عنه، أو لما نظن أن فيه صورتنا ومكانتنا، فعندها، وللأسف، يتبدل المشهد، وما كنا نعده سعة يصبح تهاونا، وما كنا نراه حقا للآخر في النظر يصبح استفزازا، وما كنا نصفه بالحوار يتحول فجأة إلى خصومة مكتومة أو معلنة، وكأن كثيرا من المبادئ التي نعجب بها من بعيد، تفقد بريقها عند أول احتكاك مباشر بمصالحنا أو انتماءاتنا أو حساسياتنا الخاصة.

أغلب ما تقدم من طبائع البشر التي تحتاج إلى تهذيب دائم؛ لأن الإنسان لا يتعامل دائما مع الأفكار بوصفها أفكارا مجردة، بل يحملها في داخله ممتزجة بذاته، متصلة بتكوينه، مشدودة إلى بيئته، ومحمولة أحيانا على تجاربه القديمة ومخاوفه الراهنة، ولذلك لا يكون الرفض موجها إلى القول وحده، بل إلى ما يظنه المرء مساسا بما يمثله ذلك القول في نفسه، ومن هنا ينشأ واحد من أكثر الالتباسات شيوعا، وهو أن يتوهم المرء أن مخالفته في اجتهاده انتقاص له، أو أن مراجعة قوله هدم لأصله، أو أن مناقشة موقفه عدوان على منزلته، وهو، بلا شك، خلط يفسد النظر، لأن الأفكار لا عيب أن تمحص، والآراء أن توزن، والمواقف أن تراجع، وليس في ذلك امتهان لأصحابها أو تقليل من أقدارهم.

التأصيل الشرعي جاء مؤكدا لما تقدم من جهتين، جهة السلوك، وجهة النظر؛ فأما السلوك، فقوله سبحانه وتعالى: {ادفع بالتي هي أحسن}، وقوله عز وجل: {وقولوا للناس حسنا}، وهي توجيهات لا تحسن مجرد الخطاب، بل تهذب طريقة إدارة الخلاف ذاته؛ وأما النظر، فقد قرر القرآن الكريم أصل التفاوت في الفهم والإدراك، كما في محكم التبيان: {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما}، فجمع بين اختلاف الفهم وثبوت أصل العلم والحكم، في ميزان دقيق لا يقصي ولا يسقط، وفي السنة يظهر هذا المعنى جليا في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لاجتهاد الصحابة مع تباين تطبيقهم، حين قال: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة»، ففهم بعضهم التعجيل، وفهم آخرون ظاهر اللفظ، فلم يعنف فريقا منهم؛ وهو أصل في أن الاختلاف إذا صدر عن نظر معتبر، لا يفسد المقصود، ولا يهدم المشروعية.

أختم.. مشكلتنا اليوم لا تكمن في قلة الكلام عن أدب الخلاف، بل في قلة التمرين عليه؛ فنحن نكثر من تمجيد القيم التي تجعل المجال العام أهدأ وأنضج، ثم نضيق بها حين تلزمنا بشيء من التواضع، أو تحملنا على إعادة النظر، أو تمنعنا من التسرع في تبديع الناس أو تخوينهم أو تصنيفهم على أول عبارة وأول موقف، وهنا تظهر مدى الحاجة إلى أن يربي الإنسان نفسه على أن الحقيقة أكبر من عاداته الذهنية، وأن الصواب ليس رهينة لما ألفه، وأن كرامته لا تهتز إذا وجد من يناقشه أو يعارضه أو يعرض الأمر من وجه آخر؛ فالمجتمعات الرصينة لا تعرف بإلغاء الفوارق بين الناس، وإنما تعرف بقدرتها على ضبط هذه الفوارق، ومنعها من التحول إلى قطيعة أو ضجيج أو ظلم متبادل، وليس الخطر في أن تتعدد الأنظار، وإنما الخطر في أن نفقد اللياقة العقلية والأخلاقية التي تمكننا من التعامل مع هذا التعدد بعدل واتزان.

أخبار ذات صلة

0 تعليق