أحمد مغربي
في عام 2025 بلغ التحول الرقمي في الإنفاق الاستهلاكي بالكويت مرحلة متقدمة عكست نضج الشمول المالي وتراجع الاعتماد على النقد بصورة واضحة، وفق بيانات بنك الكويت المركزي الخاصة بقيم المعاملات باستخدام البطاقات البلاستيكية، فقد سجل إجمالي الإنفاق الاستهلاكي المنفذ عبر القنوات المصرفية خلال العام نحو 45.96 مليار دينار، توزعت بين معاملات رقمية بقيمة 36.86 مليار دينار، وسحوبات نقدية عبر أجهزة السحب الآلي بقيمة 9.١ مليارات دينار.
وبذلك شكلت المعاملات الرقمية، المتمثلـــة في أجهزة نقاط البيع والمواقع الإلكترونية، ما يقارب 80% من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي في الكويت خلال 2025، مقابل نحو 20% فقط للكاش، في دلالة واضحة على تراجع الدور الوظيفي للنقد في الحياة اليومية للمستهلك الكويتي، وتحوله إلى وسيلة ثانوية للإنفاق.
وعند تحليل مكونات الإنفاق الرقمي خلال 2025، يتضح أن معاملات أجهزة نقاط البيع بلغت نحو 19.37 مليار دينار، في حين سجلت المعاملات التي تمت عبر المواقع الإلكترونية قرابة 17.49 مليار دينار.
ويشير هذا التوزيع إلى أن التحول الرقمي في الكويت لم يعد مقتصرا على التجارة الإلكترونية فقط، بل أصبح يشمل مختلف أنماط الاستهلاك اليومي داخل المتاجر والمجمعات والأسواق، مع ترسخ الدفع الإلكتروني كخيار افتراضي لدى شريحة واسعة من المستهلكين.
وبالمقارنة بعام 2024، تتضح ملامح التحول بشكل أدق، فقد بلغ إجمالي الإنفاق الاستهلاكي عبر القنوات المصرفية في ذلك العام نحو 47.81 مليار دينار، منها 37.73 مليار دينار معاملات رقمية، و10.09 مليارات دينار سحوبات نقدية. أي ان حصة الإنفاق الرقمي في 2024 بلغت نحو 79%، مقابل 21% للكاش. ويعني ذلك أن عام 2025 شهد تراجعا إضافيا في وزن النقد بنحو مليار دينار تقريبا، رغم انخفاض إجمالي الإنفاق الاستهلاكي الكلي، ما يؤكد أن التحول نحو الدفع الرقمي لم يكن مرتبطا بحجم الإنفاق، بل بسلوك المستهلك وأدواته المفضلة.
ويبرز الفارق بشكل أوضح عند النظر إلى تطور السحوبات النقدية، التي تراجعت من 10.09 مليارات دينار في 2024 إلى 9.10 مليارات دينار في 2025، أي بانخفاض يقارب 9.8%، مقابل استقرار نسبي في حجم الإنفاق الرقمي، ما يعكس انتقال شريحة متزايدة من المستهلكين من «الدفع بالكاش» إلى «الدفع بالبطاقة» حتى في المعاملات الصغيرة والمتكررة.
هذا المشهد في 2025 لا يمكن قراءته بمعزل عن التحول التراكمي الذي شهدته الكويت خلال الخمسة أعوام الماضية، فمنذ عام 2020، الذي مثل نقطة انعطاف بسبب جائحة كورونا «كوفيد-19»، بدأ الدفع الإلكتروني يفرض نفسه كضرورة تشغيلية قبل أن يتحول لاحقا إلى سلوك استهلاكي دائم.
في تلك المرحلة، ارتفع الاعتماد على نقاط البيع ومشتريات الإنترنـــت بشكل اضطراري، مدفوعا بالإغلاقات، والقيود الصحية، وتوسع خدمات التوصيل.
ومع انحسار الجائحة في الأعوام اللاحقة، لم يعد المستهلك الكويتي إلى أنماط الإنفاق السابقة، بل استمر في استخدام أدوات الدفع الرقمية التي أثبتت كفاءتها وسهولتها. وخلال الفترة من 2021 إلى 2023، توسعت شبكة أجهزة نقاط البيع بشكل ملحوظ، وارتفعت أعداد التجار والمنشآت الصغيرة والمتوسطة المنضمة إلى منظومة الدفع الإلكتروني، بالتوازي مع تحسن البنية التحتية للمدفوعات وتطور أنظمة الأمان والحماية.
وخلال 2024 كانت الكويت قد دخلت فعليا مرحلة الاقتصاد شبه غير النقدي، مع اقتراب حصة المعاملات الرقمية من 80% من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي. أما في 2025، فقد تعمق هذا الاتجاه، ولم يعد مرتبطا فقط بالراحة أو السرعة، بل أصبح جزءا من منظومة الشمول المالي، والرقابة، ورفع كفاءة تتبع التدفقات المالية.
كما لعبت السياسات التنظيمية دورا داعما لهذا التحول، سواء من خلال تشجيع أدوات الدفع غير النقدية، أو الحد من التعاملات النقدية في بعض الأنشطة، إضافة إلى توسع استخدام البطاقات في الخدمات الحكومية وشبه الحكومية. وأسهم ذلك في تقليص الاقتصاد النقدي، وتعزيز الشفافية، ورفع جودة البيانات المتاحة حول أنماط الاستهلاك.
وبالنظر إلى المسار الممتد من 2020 إلى 2025، يمكن القول إن الكويت انتقلت خلال خمس سنوات من اقتصاد يعتمد بدرجة ملموسة على النقد، إلى اقتصاد استهلاكي تقوده المدفوعات الرقمية، مع تراجع تدريجي ومستمر لدور الكاش. هذا التحول لا يعكس فقط تطور وسائل الدفع، بل يعبر عن تغير أعمق في الثقافة المالية للمجتمع، وقدرة القطاع المصرفي على استيعاب التحول الرقمي، وتوظيفه في تعزيز الشمول المالي، وتحسين كفاءة الاقتصاد، وبناء قاعدة بيانات استهلاكية أكثر دقة لدعم التخطيط الاقتصادي وصنع القرار في المرحلة المقبلة.

















0 تعليق