في ظل توسع مصر في إنشاء المدن الجديدة وتوفير وحدات الإسكان الاجتماعي، تطرح دراسة حديثة أن المواطن يحصل على شقة بسعر يناسب دخله إلا أن مواصفات بنائها لا تضمن له بيئة داخلية مريحة وتتركه أمام خيار تحمل الحرارة أو الاعتماد على وسائل تبريد ترفع استهلاك الكهرباء.
وفقًا لدراسة نشرها مشروع حلول للسياسات البديلة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، لا تتعلق فقط بكفاءة التصميم المعماري وإنما بالفجوة بين القواعد التي وضعتها الدولة لتحسين كفاءة الطاقة في المباني وآليات التأكد من تطبيقها فعليًا.
وترى الدراسة أن غياب الرقابة الكافية على اشتراطات البناء قد يجعل الأسر الأقل دخلًا تتحمل جانبًا غير متكافئ من تكلفة المباني ضعيفة الأداء الحراري، سواء عبر نفقات الطاقة أو المخاطر الصحية المرتبطة بالتعرض للحرارة.
محيي الدين يحذر من "وهم الصمود الاقتصادي": العالم يتجاهل فقر 1.2 مليار إنسان
كود موجود.. لكن هل يحمي سكان الشقق؟
لم تبدأ مصر الاهتمام بكفاءة الطاقة في المباني مؤخرًا، فقد اعتمدت عام 2005 الكود المصري لتحسين كفاءة استخدام الطاقة في المباني السكنية، المعروف باسم ECP 306-1، ثم أصبح الالتزام به إلزاميًا للحصول على تراخيص البناء في 2008، بحسب الدراسة التي استعرضت تطور الإطار التنظيمي المصري.
لكن وجود الكود لا يعني أن كل مبنى يلتزم به، ولا أن كل وحدة سكنية توفر الراحة الحرارية المطلوبة، وتنقل الدراسة أن الامتثال للكود في قطاع المباني السكنية كان شبه منعدم حتى 2018، مع ضعف الوعي بمتطلباته لدى أطراف تشمل المطورين والمقاولين والسكان.
وتشير الدراسة إلى أن المشكلة لا تقتصر على نقص القواعد الفنية، بل تمتد إلى غياب آلية فعالة للتحقق من التزام المباني بها أثناء التشييد وبعده، في ظل تشتت مسئوليات إصدار التراخيص ومحدودية القدرات الرقابية.
كيف تحوّل مصر القمامة إلى مليارات الدولارات؟
الطوب والمحارة والطلاء.. أين يذهب العزل الحراري؟
تضع الدراسة وحدات الإسكان منخفض الدخل في قلب المشكلة، مشيرة إلى أن خفض تكلفة البناء قد يأتي على حساب عناصر تؤثر في قدرة المبنى على مقاومة انتقال الحرارة من الخارج إلى الداخل.
وترى الدراسة أن بناء جدار خارجي يتكون من بلوك طوب أحمر مفرغ بسمك 120 ملليمترًا وطبقات من المحارة والتشطيب والطلاء من دون عزل حراري أو فراغ هوائي أو فاصل حراري، يعد تركيبًا لا يحقق المقاومة الحرارية الإجمالية الموصى بها في الكود المصري.
ووفق الدراسة، تكتسب المسألة أهمية إضافية لأن برنامج الإسكان الاجتماعي الذي انطلق في 2014 استهدف توفير 700 ألف وحدة سكنية لمحدودي الدخل في المدن الجديدة، إذ لا بد تحقيق قدرة الوحدة على توفير بيئة داخلية ملائمة للمناخ المصري.
73% من الأثرياء يأخذون قراراتهم المالية باستخدام الذكاء الاصطناعي
المواطن يدفع الفاتورة مرتين
تتمثل المفارقة الاقتصادية وفق الدراسة، في أن خفض تكلفة إنشاء الوحدة لا يعني خفض التكلفة الإجمالية التي يتحملها ساكنها، فإذا كان أداء الجدران والأسقف ضعيفًا في مقاومة الحرارة، فقد يحتاج السكان تشغيل أجهزة التبريد لفترات أطول، بما يزيد استهلاك الكهرباء، بينما قد يضطر آخرون إلى التعايش مع درجات حرارة داخلية مرتفعة لأن ميزانيتهم لا تسمح بتحمل تكلفة التبريد.
وهنا تتجاوز القضية، حسب الدراسة، حدود فاتورة الكهرباء إلى مسألة العدالة في توزيع تكاليف الإسكان، إذ إن الأسر الأعلى دخلًا تستطيع، بدرجات متفاوتة، اختيار وحدات ذات تجهيزات أفضل أو تحمل نفقات التبريد، بينما تكون الخيارات المتاحة للأسر محدودة الدخل أضيق، خصوصًا إذا كان السكن نفسه لا يوفر حماية كافية من الحرارة.
وتستند الدراسة إلى أساليب التكيف مع ارتفاع الحرارة لدى السكان في مشروع الأسمرات، وتربط بين ارتفاع درجات الحرارة الداخلية وتحديات صحية لدى السكان تشمل اضطراب النوم والإجهاد الحراري والإرهاق ومشكلات الجهاز التنفسي، كما تشير إلى أن فتح النوافذ أو استخدام المراوح قد لا يكون كافيًا في ظروف الحرارة الشديدة.
كيف تسد مصر فجوة 65 مليار دولار في الميزان التجاري؟ 4 محاور لإنقاذ الصادرات
الراحة الحرارية ليست رفاهية
تلفت الدراسة إلى خلل آخر في الكود المصري؛ أنه يتضمن نطاقات موصى بها لدرجة الحرارة والرطوبة وسرعة الهواء، لكنه لا يجعلها معايير إلزامية قابلة للتحقق تضمن تحقيق الراحة الحرارية داخل الوحدة.
وتتضمن النطاقات التي تستعرضها الدراسة درجة حرارة بين 21.8 و30 درجة مئوية، ورطوبة نسبية بين 20% و50%، وسرعة هواء بين 0.5 و1.5 متر في الثانية.
البورصة ترتد بعد هبوط 2.3%.. هل يسحب اكتتاب بنك القاهرة السيولة؟
بريطانيا تضع الحرارة داخل حسابات البناء
تستشهد الدراسة بالتجربة البريطانية باعتبارها نموذجًا لإدخال خطر ارتفاع الحرارة داخل المباني ضمن اشتراطات البناء، ففي إنجلترا، يتضمن الجزء O من لوائح البناء متطلبات للحد من ارتفاع درجات الحرارة في المباني السكنية الجديدة، مع طرق لإثبات الامتثال تشمل مراجعة تصميم النوافذ والتعرض للشمس أو استخدام المحاكاة الحرارية الديناميكية.
وتكمن أهمية التجربة في أن تقييم مخاطر الحرارة لا يقتصر على تقدير استهلاك الطاقة، بل يصبح جزءًا من مراجعة قدرة التصميم على الحد من اكتساب الحرارة الزائدة، وهي تجربة لا يمكن نقلها حرفيًا إلى مصر لاختلاف المناخ والسياق التنظيمي، لكنها توضح أن التحقق من الراحة الحرارية يمكن أن يتحول إلى متطلب قابل للفحص بدلًا من الاكتفاء بتوصيات عامة.
وتقترح الدراسة ثلاثة مسارات للإصلاح، وهي جعل نطاقات الراحة الحرارية الواردة في الكود أكثر إلزامًا وقابلية للتحقق، وفحص مواد الغلاف الخارجي وأدائه الحراري قبل البناء وخلاله، وإعادة النظر في التعامل مع خفض التكلفة باعتباره الهدف النهائي لمشروعات الإسكان.
وإذا كانت الدولة قد وضعت بالفعل كودًا لكفاءة الطاقة، فالسؤال لم يعد فقط لماذا لا توجد معايير، بل: من يضمن تطبيقها ومن يتحمل تكلفة غيابها؟
- الإسكان تشارك في الدورة الثالثة لمنتدى البناء والتشييد المستدام بين مصر والصين
- وزيرة الإسكان تصدر قرارات بإزالة مخالفات بناء بمدينة القاهرة الجديدة والساحل الشمالي الغربي
- وزيرة الإسكان تصدر قرارات بإزالة مخالفات بناء بمدينة القاهرة الجديدة والساحل الشمالي الغربي
- تفوق سرعة بولت، دراسة تكشف مفاجأة مرعبة عن سرعة فيضانات الصين ونيبال وعدم هروب السكان
- دراسة بجامعة الملك سعود: الثقة وسهولة الاستخدام تقودان نجاح المنصات الحكومية الرقمية






