سحر الأواني يعانق ثراء التعبير، 315 قطعة خزفية تكشف ريادة الفن المصري الحديث (صور)

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سحر الأواني يعانق ثراء التعبير، 315 قطعة خزفية تكشف ريادة الفن المصري الحديث (صور), اليوم الأحد 16 أغسطس 2026 05:16 صباحاً

قطعة من الطين. هذا هو الانطباع الأول الذي قد يخطر في ذهن الزائر أمام بعض الخزفيات القديمة: مادة بسيطة، شكل دائري أو إناء صغير، وربما لون أو زخرفة تلفت النظر.

لكن الوقوف أمام المجموعة المعروضة في متحف الخزف الإسلامي بالزمالك يكشف أن هذه المادة البسيطة تحمل وراءها تاريخًا أكثر تعقيدًا بكثير.

فالمتحف يضم 315 قطعة خزفية تمثل عصورًا ومناطق إنتاج مختلفة، وتكشف تنوعًا في الأساليب والتقنيات وطرق الصناعة. وبين هذه القطع يظهر الخزف المصري والتركي والإيراني والسوري، إلى جانب نماذج من الأندلس والعراق وتونس والمغرب.

هنا لا يصبح السؤال: ماذا كان المسلمون يصنعون من الخزف؟

بل يصبح السؤال الأوسع:

ماذا تستطيع قطعة خزفية أن تخبرنا عن الإنسان الذي صنعها واستخدمها؟

315 قطعة.. وخريطة من الطين

الأرقام تكشف شيئًا مهمًا عن طبيعة المجموعة.

من بين القطع الـ315 توجد 116 قطعة من الخزف المصري، و118 من الطراز التركي، و49 من الطراز الإيراني، و25 من الطراز السوري، إلى جانب قطعتين من الأندلس، وقطعتين من العراق، وقطعتين من تونس، وقطعة من المغرب.

هذه الأرقام تحول قاعة العرض إلى ما يشبه خريطة.

ليست خريطة للحدود السياسية، وإنما خريطة للحرفة والجمال والتأثير.

فكل منطقة طورت أساليبها وأشكالها وألوانها، وفي الوقت نفسه لم تكن هذه البيئات الثقافية معزولة عن بعضها.

وهكذا، حين تقف قطع من مناطق مختلفة جنبًا إلى جنب، تستطيع العين أن تبحث عن الاختلاف، لكنها تستطيع أيضًا أن تبحث عن الحوار بينها.

c2fbf166fc.jpg
d2ba217705.jpg
25e1b23d34.jpg

 

من الطين إلى اللون

صناعة الخزف ليست مجرد تشكيل للطين.

إنها سلسلة من العمليات التي تتطلب معرفة وخبرة: تشكيل القطعة، وتجفيفها، وحرقها، ثم التعامل مع سطحها من خلال الطلاء أو التزجيج والزخرفة، بحسب التقنية المستخدمة.

ولهذا تحتفظ القطعة الخزفية بأثر الحرفة التي صنعتها.

فالسطح اللامع ليس مجرد تفصيلة جمالية، واللون ليس دائمًا مجرد اختيار زخرفي، وطريقة ظهور الزخرفة ليست منفصلة عن التقنية التي أتاحت ظهورها.

ويضم المتحف نماذج من الخزف المزجج، والخزف المزخرف تحت التزجيج، إلى جانب قطع تحمل زخارف نباتية وهندسية وأشكالًا آدمية وحيوانية وكتابات.

وهنا يتحول الخزف إلى وثيقة تقنية.

فهو يخبرنا ليس فقط بما كان الفنان يريد أن يراه الناس، وإنما أيضًا بما كان يستطيع أن يصنعه.

عندما يصبح الاستخدام فنًا

الإناء في بدايته له وظيفة.

يحفظ شيئًا.

ينقل شيئًا.

يُستخدم على المائدة.

لكن الخزاف لم يتركه في حدود الوظيفة.

السطح أصبح مساحة للإبداع.

ظهرت عليه النباتات، والأشكال الهندسية، والكتابات، والرسوم، وتنوعت الألوان والتكوينات.

وهكذا أصبح الشيء الذي يؤدي وظيفة يومية قادرًا في الوقت نفسه على التعبير عن ذوق صاحبه وصانعه.

وهذه إحدى أهم نقاط قوة الخزف الإسلامي: الجمع بين المنفعة والجمال.

فالفن لم يكن بالضرورة منفصلًا عن الحياة اليومية.

قد يكون موجودًا على طبق، أو إبريق، أو إناء، أو بلاطة، أو عنصر معماري.

عندما تتحدث القطعة عن المكان

الاختلاف بين الخزف المصري والتركي والإيراني والسوري ليس مجرد اختلاف في الاسم.

إنه اختلاف في البيئات الفنية والتقنيات والتقاليد.

ولهذا فإن تصنيف المجموعة بحسب مناطق الإنتاج يتيح للزائر أن يرى كيف يمكن للخامة نفسها أن تنتج أشكالًا متعددة من الجمال.

قطعة من مصر تحمل شخصية مختلفة.

وأخرى من تركيا تنتمي إلى سياق بصري آخر.

والقطعة الإيرانية تفتح بابًا على تقاليد أخرى.

والسورية والأندلسية والمغربية والعراقية والتونسية تضيف طبقات جديدة إلى الصورة.

وهكذا تتحول المجموعة من مجموعة أوانٍ إلى أرشيف بصري لعالم واسع.

fdc2951217.jpg
4b18103234.jpg
554b2a2bfd.jpg
5218ac049f.jpg
a4c2f36890.jpg

 

الخزف لا يحكي عن الفن فقط

عندما تنظر إلى إناء قديم، تستطيع أن تسأل عن أكثر من الفنان الذي صنعه.

يمكنك أن تسأل عن الإنسان الذي استخدمه.

كيف كان يقدم الطعام؟

ما الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة له؟

ما الزخارف التي كانت تجذب عينه؟

هل كان الإناء للاستخدام اليومي أم لمناسبة خاصة؟

هل كان يحمل وظيفة عملية أم زخرفية؟

وهذه الأسئلة تجعل الخزف مصدرًا لقراءة الحياة الاجتماعية، لا تاريخ الفن وحده.

فالقطعة التي وصلت إلينا اليوم نجت من سياق كامل اختفى، لكنها ما زالت تحمل جزءًا منه على سطحها.

الخزف.. حين تدخل التكنولوجيا إلى الفن

من أكثر الأشياء التي تستحق التأمل أن جمال القطعة لم يكن ممكنًا من دون معرفة تقنية.

اللون يحتاج إلى مادة وطريقة تطبيق وحرق مناسبة.

واللمعان يحتاج إلى تقنية.

والسطح المتجانس يحتاج إلى مهارة.

والزخرفة تحتاج إلى يد تعرف كيف تتعامل مع المادة قبل أن تدخل النار وبعدها.

لهذا فإن تاريخ الخزف هو أيضًا تاريخ للتجريب.

الخزاف لا يرسم فقط.

إنه يختبر المادة، ويعرف كيف تتصرف تحت الحرارة، ويتعلم من نجاح التجربة وفشلها.

ومع مرور الزمن، تتحول التجارب الفردية إلى تقنيات متوارثة، ثم تنتقل المعرفة من جيل إلى آخر.

من الخزف الإسلامي إلى سعيد الصدر

لكن المتحف لا يغلق قصة الخزف عند الماضي.

داخل المتحف توجد قاعة مخصصة للفنان المصري سعيد الصدر (1909–1986)، أحد رواد فن الخزف المصري الحديث، وتضم القاعة 41 عملًا من أعماله.

وجود هذه الأعمال بجوار المجموعة التاريخية يغير طريقة قراءة المتحف.

لأننا لم نعد أمام حرفة انتهى زمنها، بل أمام خط يمتد من التراث إلى الفن الحديث.

سعيد الصدر يمثل لحظة أصبح فيها الخزف مجالًا فنيًا قائمًا بذاته في مصر الحديثة، مستفيدًا من تراكم طويل من المعرفة والخبرة بالخامة.

وهنا يصبح المتحف مساحة للحوار بين زمنين:

خزاف قديم يتعامل مع الطين بوصفه مادة للحياة، وفنان حديث يعيد اكتشاف الطين بوصفه مادة للفن.

ليس كل ما هو إسلامي متشابهًا

ربما تكون أهم رسالة يمكن أن يخرج بها الزائر من المتحف هي أن مصطلح «الخزف الإسلامي» لا يعني شكلًا واحدًا أو لونًا واحدًا أو مدرسة واحدة.

الإسلام امتد عبر مناطق واسعة، وعاشت داخله شعوب وثقافات متعددة.

ولذلك جاءت فنون الخزف متنوعة.

وهذا التنوع لا ينتقص من وحدة الحضارة، بل يكشف ثراءها.

فالقطعة المصرية لا تحتاج أن تشبه التركية حتى تنتمي إلى هذا العالم.

والإيرانية لا تحتاج أن تكون نسخة من السورية.

لكل بيئة شخصيتها، ومع ذلك توجد بينها مساحات من التأثير والتفاعل.

14 عامًا قبل أن تعود الحكاية

تكتسب المجموعة أهمية إضافية اليوم لأن المتحف عاد إلى الجمهور بعد غياب طويل.

ففي 15 أكتوبر 2024 أُعيد افتتاح متحف الخزف الإسلامي بعد إغلاق دام 14 عامًا، ضمن أعمال استهدفت إعادة المكان إلى الجمهور. وفي يوم الافتتاح أُعلن عن إقبال جماهيري كبير، وجرى فتح المتحف مجانًا لمدة شهر احتفالًا بعودته.

واليوم، يستقبل المتحف الزوار من 9 صباحًا حتى 9 مساءً، عدا الجمعة.

عودة المتحف لا تعني إذن أن 315 قطعة عادت إلى خزائنها فقط.

إنها تعني أن مادة تبدو للعين بسيطة ــ الطين ــ عادت إلى مساحة يستطيع الجمهور من خلالها أن يقرأ تاريخًا طويلًا من الابتكار.

ماذا تبقى من كل هذا؟

في نهاية الجولة، ربما لن يتذكر الزائر أسماء كل العصور، ولن يستطيع أن يميز كل مدرسة فنية.

لكن قد يخرج بفكرة أبسط وأعمق:

أن الأشياء الصغيرة يمكن أن تحفظ تاريخًا كبيرًا.

طبق صغير قد يخبرنا عن الذوق.

إناء قد يكشف تقنية.

زخرفة قد تكشف تأثيرًا ثقافيًا.

ولون قد يقود إلى مدرسة فنية.

وقطعة واحدة قد تفتح أمامنا طريقًا يمتد من مصر إلى تركيا وإيران وسوريا والأندلس وشمال أفريقيا.

لهذا لا يمكن اختزال الخزف الإسلامي في كونه أواني قديمة خلف فاترينات زجاجية.

إنه سجل لمهارة الإنسان، ولحاجاته، ولذوقه، ولقدرته على تحويل مادة من الأرض إلى شيء يعيش بعده بقرون.

وفي متحف الخزف الإسلامي، تتجاور 315 قطعة لتقول شيئًا واحدًا بطرق مختلفة:

أن الحضارات لا تترك ذاكرتها في الكتب وحدها؛ أحيانًا تتركها على طبق من الطين.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق