عبقري القاهرة، هكذا خلد جلال الدين السيوطي تاريخ الأمة بعيدًا عن صراع السلاطين

منذ ساعة

في مثل هذا اليوم من عام 1445 ميلادية، شهدت القاهرة مولد عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي، الملقب بـ جلال الدين السيوطي، الإمام والمؤرخ والموسوعي الكبير الذي أجمع علماء عصره وما بعده على كونه أحد أعظم العقول الفذة في التاريخ الإسلامي، ونشأ السيوطي في عصر المملوكيين الجراكسة وسط اضطرابات سياسية وتعاقب للسلاطين، لكنه اعتزل الصراع والقصور الملكية ليؤسس قلعة علمية خاصة جعلته يوصف بـ "ابن خلدون القرن العاشر"، تاركًا إرثًا ضخمًا تجاوز الـ 600 مؤلف في التاريخ، والحديث، والتفسير، واللغة، والفقه.

رحلة العلم والاعتزال.. من جامع الشيخون إلى خلوة الروضة

ولد السيوطي لأسرة علمية تعود أصولها إلى أسيوط في صعيد مصر، ونشأ يتيمًا بعد وفاة والده وهو في سن الخامسة، وأبدى ذكاءً وقدرة استثنائية على الحفظ؛ فأتم حفظ القرآن الكريم وهو دون الثامنة، وحفظ أمات الكتب في العلوم الشرعية واللغوية، وطاف بحلقات العلم في القاهرة والشام والحجاز واليمن، حتى أذن له شيوخه بالإفتاء والتدريس وهو في سن الثامنة والعشرين.

وشغل السيوطي مشيخة الخانقاه الشيخونية، إحدى أكبر المؤسسات الدينية والعلمية في القاهرة المملوكية، لكنه تعرض لفتن ومنافسات شديدة من فقهاء عصره بسبب نبوغه واستقلالية رأيه، وعندما بلغ الأربعين من عمره، اتخذ قرارًا تاريخيًا بالاعتزال التام للمناصب والسلاطين؛ حيث اعتكف في روضة المقياس "جزيرة الروضة على النيل بالقاهرة"، متفرغًا للتأليف والتصنيف والعبادة حتى وفاته عام 1505م، ورافضًا كل الهدايا والأموال التي حاول السلاطين تقديمها له.

تاريخ مصر والأمة بريشة السيوطي

لم يكن السيوطي مجرد ناقل أو حاطب ليل في مؤلفاته التاريخية، بل كان مؤرخًا ورث المنهج التحليلي الموثق. وتتنوع إسهاماته التاريخية والموسوعية بين، تاريخ الخلفاء وهو الكتاب الأبرز الذي أرخ فيه لحركة الخلافة الإسلامية منذ عهد الراشدين حتى عصره في القاهرة، مبرزًا العوامل السياسية والاجتماعية التي أدت لرفعة الدولة أو سقوطها.

أما كتاب "حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة"، فيعد أيضا موسوعة تاريخية وجغرافية شاملة رصدت تاريخ أرض مصر، ونيلها، وعلمائها، وحكامها، وبنيتها العمرانية، ليكون المرجع الأساسي لتاريخ مصر المملوكية.

عبقرية الأرشيف وتوثيق الذاكرة الوطنية

تتجلى قيمة السيوطي اليوم في معركة صون الذاكرة والتوثيق الموسوعي التي تخوضها الشعوب والمؤسسات الثقافية، وفي زمن يتسارع فيه تزييف التاريخ الرقمي أو ضياع التراث، يمثل نموذج السيوطي المؤرخ المؤسسة الذي أدرك بوعي زمني ثاقب ضرورة تجميع وتوثيق المخطوطات والعلوم الإسلامية وحمايتها من التشتت والضياع عقب سقوط بغداد وتراجع الأندلس، وهذا الدرس يصاغ اليوم كركيزة أساسية لحفظ الهوية الثقافية العربية والمصرية.

✎

فريق تحرير الاستاد نيوز

فريق التحرير في الاستاد نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق