لا أدّعي أنني أمتلك أسرار الدول، أو أنني أعرف ما يدور داخل غرف أجهزة المخابرات ومراكز صنع القرار، ولست خبيرًا استراتيجيًا أو عسكريًا، لكنني أحاول أن أقرأ ما هو معلن، وأربط بين الوقائع التاريخية والتحركات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وأتأمل ما تنشره مراكز الأبحاث والصحف الدولية، وما تقوله التجارب السابقة؛ فهناك فارق كبير بين أن نزعم امتلاك الحقيقة الكاملة، وبين أن نمتلك من الوعي ما يجعلنا نرى اتجاهات الخطر قبل أن تتحول إلى واقع، وأكتب هذا المقال لأنني أعتقد أن مصر تواجه مرحلة لا يكفي فيها أن نحصي الأزمات المحيطة بنا، بل يجب أن نفهم لماذا تتجمع هذه الأزمات حولنا، وما الأدوات التي يمكن أن تستخدم للضغط علينا، ولماذا ينبغي ألا نرضخ، وكيف ننتصر دون أن نُستدرج إلى معارك يختار الآخرون توقيتها أو أهدافها.
السؤال الذي يجب أن نبدأ به ليس: هل مصر مستهدفة؟ بل: لماذا تمثل مصر دولة شديدة الأهمية في حسابات القوى الدولية والإقليمية؟ ولماذا يمكن أن يصبح قرارها المستقل مصدر إزعاج لبعض هذه القوى؟ مصر ليست دولة عادية في الجغرافيا السياسية؛ إنها الدولة العربية الأكبر سكانًا، وتقع في نقطة اتصال بين آسيا وإفريقيا، وتتحكم في قناة السويس التي تربط البحرين الأحمر والمتوسط، وتطل على شرق المتوسط والبحر الأحمر، وتمتلك حدودًا مباشرة مع فلسطين وإسرائيل وليبيا والسودان، وترتبط بأمن البحر الأحمر والخليج العربي والقرن الإفريقي، كما أن لها ثقلًا تاريخيًا وثقافيًا ودينيًا يتجاوز حدودها، وهي أيضًا دولة تملك جيشًا كبيرًا، ومؤسسات دولة ممتدة، وقدرة على التأثير في ملفات إقليمية لا يمكن تجاوزها، وهذه العناصر تجعل استقرار مصر مصلحة إقليمية ودولية، لكنها تجعل استقلال قرارها كذلك موضع حسابات وتنافس وضغوط.
ومن هنا يجب أن نفهم أن استهداف الدول في العصر الحديث لا يعني بالضرورة التخطيط لاحتلالها أو إرسال الجيوش إليها، لقد تطورت أدوات السيطرة،فالاستعمار العسكري كان يرفع علمه فوق الأرض، أما أشكال النفوذ الجديدة فقد تعمل دون أن ترفع علمًا واحدًا، ويمكن أن تضغط على الدولة من خلال اقتصادها، أو تتحكم في بعض مسارات تمويلها، أو تضعها أمام أزمات متزامنة تستنزف مواردها، أو تحاصر قرارها بتحالفات إقليمية، أو تدعم أطرافًا متصارعة في جوارها، أو تستخدم العقوبات والاشتراطات التجارية والمالية، أو تؤثر في صورتها الدولية، أو تستثمر في الانقسامات الاجتماعية والسياسية، أو تدفعها إلى مواجهة عسكرية طويلة تستنزفها حتى لو لم تُهزم فيها، وقد يكون أخطر أنواع الضغط هو أن تُترك الدولة في حالة انشغال دائم بإطفاء الحرائق، فلا تجد الوقت ولا الموارد لبناء مستقبلها.
وهنا أريد أن أستحضر واحدة من أكثر الشواهد التاريخية تداولًا في الفكر السياسي العربي، وهي ما يُعرف باسم «مؤتمر كامبل بنرمان»، المنسوب إلى رئيس الوزراء البريطاني هنري كامبل بنرمان، والذي انعقد في لندن خلال الفترة من 1905 إلى 1907، بمشاركة ممثلين عن قوى استعمارية أوروبية، لبحث مستقبل المستعمرات ومصالح الدول الكبرى، وتنسب الرواية إلى المؤتمر تصورًا استعماريًا يقوم على إبقاء المنطقة العربية مفككة، ومنع قيام وحدة سياسية أو اقتصادية بين شعوبها، وإقامة كيان يفصل المشرق العربي عن امتداده الإفريقي، ويحول دون تواصل القوة العربية في آسيا وإفريقيا، بما يضمن استمرار تفوق القوى الاستعمارية ونفوذها.
وتذهب الصياغات المتداولة لهذه الرواية إلى أن إقامة كيان غريب في قلب المنطقة العربية، يرتبط بالقوى الغربية ويكون حاجزًا جغرافيًا وسياسيًا، كانت جزءًا من التصور الذي خدم المشروع الصهيوني لاحقًا، لكنني أرى أن أهمية هذه الرواية لا ينبغي أن تجعلنا نقع في خطأين متناقضين: الأول أن نتعامل معها باعتبارها وثيقة قطعية ونبني عليها كل تفسيرنا للتاريخ، والثاني أن نرفضها ثم نتجاهل الوقائع الاستعمارية الموثقة التي تكشف كيف جرى التفكير في منطقتنا وكيف استُخدمت فلسطين في الحسابات الإمبراطورية؛ فالتاريخ لا يحتاج إلى وثيقة غير ثابتة حتى نرى أن القوى الاستعمارية عملت على إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها.
إن وعد بلفور الصادر في الثاني من نوفمبر عام 1917، وهو وثيقة رسمية ثابتة، يقدم مثالًا بالغ الوضوح على هذا النوع من الاستعمار السياسي؛ فالرسالة التي بعث بها وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور إلى اللورد روتشيلد أعلنت تأييد الحكومة البريطانية إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، وتعهدت ببذل جهودها لتسهيل ذلك، مع إشارة شكلية إلى عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، ولم يكن بلفور صاحب قرار عابر؛ فقد كانت بريطانيا قوة استعمارية تسيطر على مساحات واسعة من العالم، وكانت فلسطين آنذاك جزءًا من الدولة العثمانية، ولم تكن بريطانيا تملك حق التصرف في أرضها أو تقرير مستقبل شعبها، ومع ذلك، منحت الحركة الصهيونية وعدًا سياسيًا صادرًا عن قوة دولية كبرى، ثم جاءت السيطرة البريطانية على فلسطين والانتداب الذي أقرته عصبة الأمم ليمنحا هذا الوعد أدوات التنفيذ على الأرض.
وهنا تكمن النقلة الخطيرة في طبيعة الاستعمار: لم يكن الأمر مجرد احتلال عسكري لفلسطين، بل استخدام النفوذ الإمبراطوري لمنح مشروع سياسي غطاءً دوليًا، ثم إدارة الأرض والسكان والهجرة والموارد والمؤسسات بطريقة تساعد على تغيير الواقع الديموجرافي والسياسي... لقد تحولت القوة العسكرية إلى أداة لحماية ترتيبات سياسية وقانونية وإدارية، وتحول الانتداب إلى صيغة استعمارية جديدة تمنح السيطرة مظهرًا دوليًا وقانونيًا، ثم انتهى المسار إلى قيام إسرائيل عام 1948، في سياق حرب وتهجير واسع للفلسطينيين، وما زالت المنطقة تدفع ثمن ذلك حتى اليوم.
ولا أقول إن مؤتمر كامبل بنرمان هو الذي أنشأ وعد بلفور أو أصدره؛ فذلك لا تثبته الوثائق المتاحة، لكن من المشروع تاريخيًا أن نقرأ وعد بلفور وسايكس بيكو والانتداب البريطاني على فلسطين، ثم قيام إسرائيل، بوصفها حلقات موثقة في سياسة استعمارية أعادت تشكيل المنطقة، وخلقت واقعًا سياسيًا جديدًا على حساب حقوق شعوبها، والدرس الذي يجب أن نلتقطه هو أن الاستعمار لا ينتهي دائمًا بخروج الجندي الأجنبي؛ فقد يترك وراءه حدودًا ملتهبة، وكيانات متنازعة، واعتمادًا اقتصاديًا، وترتيبات أمنية، وصراعات لا تنتهي، تجعل الدول المستقلة رسميًا عاجزة عن ممارسة استقلالها كاملًا.
ولعل هذا هو الشكل الذي ينبغي أن ننتبه إليه اليوم: استعمار لا يحتاج إلى احتلال العاصمة، وإنما قد يكتفي بالتأثير في القرار الاقتصادي، أو التحكم في مصادر التمويل، أو توجيه مسارات التجارة، أو فرض ترتيبات أمنية، أو دعم أطراف محلية متصارعة، أو صناعة بيئة إقليمية تجعل الدولة منشغلة بالدفاع عن حدودها ومؤسساتها طوال الوقت، ومن أدوات هذا النمط: الديون وتكلفة إعادة تمويلها، والاعتماد على استيراد الغذاء والطاقة والسلاح، والاشتراطات السياسية المرتبطة بالمساعدات، والعقوبات، والتصنيفات الدولية، والحملات الإعلامية، والحروب السيبرانية، وتسريب المعلومات، وإثارة النزاعات الحدودية، وإضعاف الدول المحيطة حتى تتحول حدود الدولة المستهدفة إلى خطوط تماس مع أزمات لا تنتهي.
وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل الدور الأمريكي في المنطقة، ولا التعامل معه باعتباره دورًا محايدًا لمجرد أن واشنطن تقدم لمصر مساعدات عسكرية واقتصادية منذ عقود؛ فالولايات المتحدة ليست جمعية خيرية، وإنما دولة تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية، وتتعامل مع مصر باعتبارها دولة محورية في أمن إسرائيل، واستقرار المنطقة، والملاحة في قناة السويس، ومكافحة الإرهاب، وترتيبات البحر الأحمر. وقد ارتبط جانب كبير من المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر منذ اتفاقية السلام بشراء معدات وخدمات من شركات الدفاع الأمريكية، كما أن الإفراج عن أجزاء من المساعدات ظل في بعض السنوات خاضعًا لشروط وقرارات سياسية وتشريعية أمريكية.
وتكشف تقارير خدمة أبحاث الكونجرس أن واشنطن حجبت أو أعادت توجيه نحو 750 مليون دولار من التمويل العسكري المخصص لمصر خلال السنوات المالية 2020 إلى 2023، استنادًا إلى اشتراطات مرتبطة بحقوق الإنسان، كما تضمن قانون الاعتمادات الأمريكي لعام 2026 شروطًا تتعلق بالإفراج عن جزء من التمويل العسكري، مع منح وزير الخارجية سلطة الإعفاء لأسباب تتصل بالأمن القومي الأمريكي. وهذه ليست تفاصيل مالية هامشية؛ إنها تعني أن جزءًا من علاقة استراتيجية طويلة يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط سياسي، وأن الدولة التي تعتمد على مصدر واحد في التسليح أو التمويل قد تجد نفسها أمام قيود على قرارها في لحظة حرجة.
والأكثر دلالة أن الولايات المتحدة تتحدث عن استقرار المنطقة، لكنها تظل الحليف الأكبر لإسرائيل، وتقدم لها دعمًا عسكريًا وسياسيًا واسعًا، وتستخدم حق النقض في مجلس الأمن لحماية مواقف إسرائيلية في محطات شديدة الحساسية، وفي الوقت الذي تطلب فيه من مصر القيام بدور الوسيط في غزة، وتثمن جهودها في وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات، فإنها لا تمارس بالقدر نفسه من الحزم الضغط اللازم لوقف السياسات الإسرائيلية التي تدفع المنطقة إلى الانفجار، وعندما طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فكرة نقل الفلسطينيين من غزة إلى مصر والأردن، كان ذلك اختبارًا مباشرًا للأمن القومي المصري، لأن قبول الفكرة كان يعني تحميل مصر نتيجة حرب لم تشنها، وتحويل سيناء إلى جزء من حل يقوم على اقتلاع شعب من أرضه.
وقد رفض الرئيس السيسي هذا الطرح علنًا، وأكد أن مصر لن تشارك في ظلم الشعب الفلسطيني أو تهجيره، وأن هذا الأمر يمثل تهديدًا للأمن القومي المصري، كما أُلغيت أو تأجلت ترتيبات زيارة كانت مطروحة إلى واشنطن في ذلك السياق، ونقلت تقارير صحفية عن مصادر مصرية أن مسألة التهجير كانت سببًا رئيسيًا في تعثر الزيارة، وهذه الواقعة تكشف أن الخلاف لا يتعلق فقط بتفاصيل خطة لإعادة إعمار غزة، بل بمن يتحمل تبعات الصراع، ومن يملك حق تقرير مستقبل الفلسطينيين، وما إذا كان مطلوبًا من مصر أن تتحول إلى طرف ينفذ حلًا يضر بأمنها ومكانتها.
وهنا تظهر إحدى النقاط التي تفسر لماذا يصبح الرئيس السيسي، في بعض الملفات، موضع احتكاك مع قوى رسمية وغير رسمية ترى أن عليها أن تضغط على مصر لتقبل ترتيبات لا تتفق مع مصالحها؛ فالرئيس الذي يرفض نقل الفلسطينيين إلى سيناء، ويتمسك بأن حل القضية لا يكون بتصفية وجود شعب على أرضه، ويصر على أن أمن الحدود المصرية ليس مجالًا للمساومة، يضع حدودًا أمام تصور كان يمكن أن يحمّل مصر عبئًا استراتيجيًا هائلًا، والرئيس الذي يرفض أن تتحول مصر إلى طرف في حرب لا تخدم مصالحها، أو إلى مجرد تابع في ترتيبات إقليمية، يفرض على القوى الأخرى إعادة حساباتها.
لكن يجب أن نكون دقة؛ فالذي يمكن قوله إن هناك تعارضًا حقيقيًا بين بعض المصالح والسياسات الخارجية وبين المصالح المصرية، وإن رفض مصر لبعض الترتيبات يخلق احتكاكًا وضغوطًا، وقد تتداخل في ذلك مراكز نفوذ رسمية وشركات ومجموعات ضغط ومؤسسات إعلامية ومراكز أبحاث. ومن الخطأ أن نختزل كل هذه الشبكات في جهة واحدة، كما أنه من الخطأ أن ننكر تأثيرها.
وتتجلى خطورة هذا التداخل في أن مصر تواجه أزمات متزامنة على حدودها المختلفة، في الشرق، لا تزال غزة والقضية الفلسطينية في قلب معادلة الأمن القومي المصري؛ فتهجير الفلسطينيين إلى سيناء لا يعني مجرد انتقال سكان من مكان إلى آخر؛ بل يعني خلق واقع جغرافي وسكاني جديد، وربما تحويل سيناء إلى ساحة صراع دائم، وإضعاف الحق الفلسطيني في إقامة دولته، ووضع مصر أمام مسؤولية أمنية وإنسانية واقتصادية لا تنتهي، ولذلك فإن رفض التهجير ليس موقفًا عاطفيًا أو تضامنًا سياسيًا فقط، بل دفاع مباشر عن السيادة المصرية وعن حق الفلسطينيين في أرضهم.
وفي الجنوب، تمثل الحرب السودانية خطرًا بالغًا على مصر؛ فالسودان ليس جارًا عاديًا؛ إنه امتداد جغرافي وبشري وأمني، وترتبط به ملفات النيل والحدود والتجارة والأمن الغذائي، واستمرار الحرب يهدد وحدة الدولة السودانية، ويفتح المجال أمام قوى خارجية لدعم أطراف متصارعة، ويخلق فراغًا أمنيًا يمكن أن تتسلل منه جماعات مسلحة وشبكات تهريب وسلاح، وقد نشرت مؤسسات دولية وتقارير حقوقية اتهامات تتعلق بدعم إماراتي لقوات الدعم السريع، في حين نفت الإمارات تلك الاتهامات، ولا ينبغي أن نخلط بين اتهام موثق في تقارير وبين حكم قضائي نهائي، لكن لا يجوز أيضًا تجاهل أثر التدخلات الخارجية في إطالة الحرب أو توسيعها.
وفي ملف سد النهضة، لا يمكن فصل الخلاف المائي عن التوازنات السياسية في القرن الإفريقي؛ فالمياه بالنسبة إلى مصر ليست مجرد مورد اقتصادي، بل أساس للحياة والزراعة والغذاء والاستقرار الاجتماعي، وأي محاولة لفرض أمر واقع أحادي في إدارة النيل الأزرق تمس حقوق مصر والسودان وتضع الأمن المائي للبلدين أمام مخاطر مستمرة، ولا يكفي أن تظل مصر في موقع رد الفعل أو أن تكرر بيانات الاعتراض؛ بل تحتاج إلى استراتيجية تجمع بين القانون الدولي والتفاوض وبناء التحالفات الإفريقية، والتعاون التنموي مع دول الحوض، والاستعداد الفني لكل السيناريوهات.
أما غربًا، فإن استمرار الانقسام الليبي وتعدد مراكز القوة وانتشار السلاح يضع الأمن المصري أمام تحديات مستمرة؛ فمصر لا تحتاج إلى ليبيا تابعة لها، بل إلى دولة ليبية موحدة مستقرة، قادرة على حماية حدودها وإدارة مواردها، لأن استقرار الجار الغربي مصلحة مصرية مباشرة، وفي البحر الأحمر، فإن اضطراب الملاحة والهجمات على السفن وتنافس القوى الدولية على الموانئ والقواعد العسكرية ينعكس على قناة السويس، وعلى موارد النقد الأجنبي، وعلى مكانة مصر في التجارة العالمية، وقد أشار تقرير خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي إلى أن تحويل مسارات السفن بعيدًا عن قناة السويس بسبب اضطرابات البحر الأحمر حرم مصر من إيرادات مهمة من العملة الأجنبية.
وهنا نصل إلى سؤال آخر: هل يمكن أن تكون هذه الضغوط مصادفة؟ لا يمكن الجزم بوجود غرفة واحدة تدير كل هذه الأزمات، ولا توجد أدلة موثوقة على أن كل ما يجري حول مصر جزء من خطة مركزية واحدة.. لكن تزامن الأزمات وتداخل المصالح يفرضان على الدولة أن تتعامل معها باعتبارها بيئة استراتيجية ضاغطة، وأن تضع سيناريوهات تربط بين ما يحدث في غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر وسد النهضة، بدلًا من إدارة كل ملف بمعزل عن الآخر؛ فالنتيجة العملية قد تكون واحدة حتى لو اختلفت الجهات والأهداف: استنزاف موارد الدولة، وتشتيت قرارها، وتقليص قدرتها على المبادرة.
وفي هذا الإطار يطرح البعض اسم الماسونية باعتبارها شبكة عالمية خفية تتحكم في الدول وتوجه الحروب وتدير السياسات، والماسونية تنظيم تاريخي معروف، له محافل وشبكات عضوية وطقوس وتقاليد، وقد عرفت مصر نشاطًا للمحافل الماسونية في مراحل تاريخية مختلفة، خصوصًا في المدن الكبرى خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، كما أن وجود شبكات اجتماعية ومهنية مغلقة بين أصحاب النفوذ ليس أمرًا مستحيلًا في عالم السياسة والاقتصاد، وهناك حديث عن أن الماسونية بوصفها تنظيمًا عالميًا موحدًا تصدر قرارات للحكومات، أو أنها تدير السياسة الأمريكية أو الإسرائيلية، أو أنها تقف وراء كل الحروب والأزمات التي تشهدها المنطقة.
ومع ذلك، فإن تناول هذا الموضوع لا ينبغي أن يصرفنا عن السؤال الأهم: كيف تعمل شبكات النفوذ الحقيقية؟ إن جماعات الضغط، ومصالح شركات السلاح والطاقة، والمؤسسات المالية، ومراكز الأبحاث، وشبكات العلاقات السياسية والاقتصادية، كلها أدوات موثقة للتأثير في صنع القرار داخل دول كبرى، وهي أكثر قابلية للفحص والتحليل من افتراض وجود قيادة سرية واحدة تحرك العالم، ولذلك فإن الوعي لا يعني أن نصدق كل ما يقال عن التنظيمات الخفية، وإنما أن نعرف كيف تُصنع المصالح، وكيف تتحول إلى سياسات، وكيف تؤثر في قرارات الدول، وكيف يمكن لمصر أن تحمي نفسها من الضغوط المشروعة وغير المشروعة.
لكنني أعود إلى النقطة التي أراها الأهم في كل هذا: لا يمكن تقسيم دولة وشعبها متماسك، يرفض تقسيم أرضه ومؤسساته، ويعرف ما الذي يواجهه، ويمتلك الحد الأدنى من الثقة المتبادلة بينه وبين مؤسسات دولته؛فالوعي لا يبدأ بإطلاق الشعارات عن المؤامرات، ولا بتخويف الناس من الخارج، بل يبدأ بحشد الجبهة الداخلية، وإمدادها بالمعلومات الصحيحة عن المخاطر، وشرح ما يجري حولها، وتوضيح ما تملكه الدولة من خيارات وما يترتب على كل خيار من نتائج، لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يدافع عن وطنه وهو لا يعرف طبيعة الخطر، ولا أن نطالبه بالصبر بينما لا يجد تفسيرًا مقنعًا لما يتحمله من أعباء.
إن الجبهة الداخلية لا تُحشد بإخفاء الحقائق، ولا باعتبار كل نقد تشكيكًا، ولا بتخوين المختلفين، وإنما بالشفافية والمصارحة والعدالة والمحاسبة، وعلى الدولة أن تتعامل مع المواطن باعتباره شريكًا في حماية الأمن القومي، لا مجرد متلقٍ للبيانات، ويجب أن يعرف الناس لماذا ترفض مصر التهجير، ولماذا يمثل السودان عمقًا استراتيجيًا، ولماذا تعد المياه قضية وجودية، وكيف تؤثر اضطرابات البحر الأحمر على قناة السويس، وما علاقة الديون والاعتماد على الاستيراد باستقلال القرار الوطني، كما يجب أن يعرفوا أن بعض القرارات الخارجية لها تكلفة اقتصادية، وأن رفض الضغوط قد يكون مكلفًا على المدى القصير، لكنه يحمي حقوقًا ومصالح لا يمكن تعويضها.
وفي المقابل، لا بد من مراجعة داخلية جادة؛ لأن قوة الجبهة الداخلية لا تنفصل عن قوة الدولة وعدالتها؛ فنحتاج إلى مراجعة أولويات الإنفاق، وكفاءة المؤسسات، وإدارة الديون، ودعم الإنتاج، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وإعادة الاعتبار للصناعة الوطنية، وحماية الأمن الغذائي والدوائي، وتطوير التعليم والبحث العلمي، ونحتاج إلى مراجعة الأداء الإعلامي، لأن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغًا؛ بل تملؤه الشائعات والحملات المنظمة والمعلومات المضللة. ونحتاج إلى إعلام مهني قادر على تقديم المعلومة والتحليل، لا مجرد ترديد البيانات أو الدخول في معارك سطحية مع كل رأي مخالف.
كما أرى ضرورة إنشاء منظومة وطنية لتقدير الموقف الاستراتيجي، تضم خبراء في السياسة والاقتصاد والعسكرية والمياه والطاقة والتكنولوجيا والإعلام، وتعمل على دراسة الأزمات المتزامنة ووضع سيناريوهاتها، وتقدم تقارير دورية لصانع القرار وللرأي العام في الحدود التي لا تضر بالأمن القومي؛ فالمواطن الذي يفهم طبيعة التحديات يصبح أكثر قدرة على التمييز بين النقد الوطني والحملة المضللة، وبين الخلاف السياسي المشروع ومحاولة دفع المجتمع إلى الكراهية والانقسام.
ويجب أن نستحضر في هذه اللحظة دروس انتصارات مصر السابقة، لا من أجل الاحتفال بالماضي، بل من أجل استعادة طريقة التفكير التي صنعت تلك الانتصارات. ففي عام 1956، حين أممت مصر قناة السويس، واجهت عدوانًا عسكريًا من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. لم تكن مصر تملك التفوق العسكري الذي يضمن لها حسم المعركة ميدانيًا، لكنها امتلكت قرارًا سياسيًا مستقلًا، وقدرة على تحريك الرأي العام الدولي، واستفادت من التوازنات الدولية، ومن رفض الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي استمرار العدوان لأسباب مختلفة. وانتهت الأزمة بانسحاب القوات المعتدية. والدرس هنا أن مصر لم تنتصر بالسلاح وحده، وإنما بإدارة الصراع سياسيًا ودبلوماسيًا، وبقدرتها على تحويل قرار وطني إلى قضية دولية.
وفي أكتوبر 1973، لم يكن العبور وليد لحظة غضب أو قرار انفعالي، كان وراءه إعداد طويل، وإعادة بناء للقوات المسلحة، وتدريب وتخطيط، ودراسة دقيقة لقدرات العدو ونقاط ضعفه، واختيار للتوقيت، وتنسيق سياسي وعسكري عربي.. لقد انتقلت مصر من حالة الانكسار بعد 1967 إلى امتلاك زمام المبادرة، ثم استخدمت نتائج الحرب في مسار تفاوضي انتهى باستعادة سيناء، ولم يكن الدرس أن الحرب وحدها تصنع النصر، بل أن الاستعداد الجيد يمنح الدولة القدرة على التفاوض من موقع أقوى.
وفي قضية طابا، قدمت مصر نموذجًا ثالثًا للانتصار، حين خاضت معركة قانونية وتاريخية لإثبات حقها في أرضها، ولم تتنازل عن آخر شبر، ولم تندفع إلى مواجهة عسكرية، بل جمعت الوثائق والخرائط والشهادات، واستعانت بالخبراء، وخاضت التحكيم الدولي حتى استعادت طابا عام 1989. وهذه التجربة تؤكد أن القوة ليست في السلاح فقط، وإنما في امتلاك الحجة والوثيقة والمؤسسة والخبرة والصبر.
ومن هذه الانتصارات الثلاثة نستطيع أن نستخلص منهجًا مصريًا متكاملًا: من 1956 نتعلم إدارة التوازنات الدولية، ومن 1973 نتعلم أن الإعداد يسبق المواجهة، ومن طابا نتعلم أن القانون والوثيقة يمكن أن ينتصرا حين تكون الدولة مستعدة، لكن علينا أيضًا أن ندرس إخفاقاتنا، وأن نعرف لماذا تعثرت بعض الملفات، ولماذا ضاعت فرص، ولماذا تأخرت قرارات. فاستحضار الماضي لا يكون بتكرار أسماء المعارك، وإنما بتحويل دروسها إلى أدوات عمل في الحاضر.
وأعتقد أن المطلوب من مصر حتى 2030 هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المبادرات، في ملف غزة، يجب أن تستمر مصر في رفض التهجير، وأن تتمسك بحق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم، وأن تدعم إعادة الإعمار دون تحويلها إلى مدخل لتصفية القضية، وفي السودان، ينبغي أن تعمل مصر من أجل وقف الحرب والحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، مع بناء علاقات مباشرة مع القوى الوطنية السودانية، وعدم ترك مستقبل السودان رهينة التدخلات الخارجية، وفي ليبيا، يجب أن يكون الهدف دولة موحدة ومؤسسات شرعية وجيش وطني، لا مجرد توازن مؤقت بين القوى المتنافسة، وفي ملف النيل، ينبغي أن تتسع الدبلوماسية المصرية لتشمل تعاونًا تنمويًا واقتصاديًا ومائيًا مع دول الحوض، إلى جانب التمسك بالحقوق القانونية. وفي البحر الأحمر، تحتاج مصر إلى شراكات أمنية واقتصادية تحمي الملاحة وتمنع تحول الممرات البحرية إلى ساحات نفوذ عسكري متصارع.
أما على المستوى الدولي، فلا ينبغي أن تعتمد مصر على قوة واحدة مهما كانت أهمية العلاقة معها، يجب الاستمرار في تنويع الشراكات مع أوروبا والصين وروسيا والهند والدول العربية والإفريقية، وتوسيع التعاون في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والتسليح، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة؛ فتنويع العلاقات ليس موقفًا عدائيًا من طرف، بل شرط من شروط استقلال القرار، والدولة التي تمتلك بدائل متعددة تكون أقل قابلية للضغط من الدولة التي لا تملك إلا بابًا واحدًا للتمويل أو التسليح أو التجارة.
ولا بد أن نعيد النظر في مفهوم الأمن القومي ذاته؛ فهو لا يبدأ عند الحدود، بل يبدأ من المدرسة والمصنع والمستشفى والجامعة ومؤسسات العدالة والإعلام؛ فالدولة التي لا تنتج غذاءها ودواءها بالقدر الكافي تكون معرضة للضغط، والدولة التي لا تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية قوية يصعب عليها أن تحافظ على استقلال قرارها، والدولة التي يشعر مواطنوها بالظلم والانفصال عن مؤسساتها تصبح أكثر عرضة للشائعات والانقسام، لذلك فإن إصلاح الداخل ليس ملفًا اجتماعيًا منفصلًا عن مواجهة الخارج، بل هو الشرط الأول للانتصار عليه.
وأريد أن أقول بوضوح إنني لا أرى أن مصر يجب أن ترضخ لأي ضغط يمس أرضها أو مياهها أو سيادتها أو حقها في اتخاذ قرارها، لكن عدم الرضوخ لا يعني الاندفاع، ولا يعني أن نتصرف بمنطق المواجهة الدائمة؛ إنما يعني أن نمتلك بدائلنا، وأن نعرف حدود قوتنا، وأن نستخدم القانون والدبلوماسية والاقتصاد والتحالفات والردع العسكري في التوقيت المناسب؛ فالدولة القوية لا تُستدرج إلى معركة لا تريدها، ولا تتنازل عن حقها خوفًا من كلفة الدفاع عنه.
وهنا أعود إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي... إن ما يجعل بعض مواقف الرئيس موضع احتكاك مع قوى إقليمية ودولية ليس بالضرورة شخصه، وإنما ما تمثله بعض قرارات الدولة المصرية من حدود أمام ترتيبات تريد أطراف أخرى تمريرها، رفض تهجير الفلسطينيين، والتمسك بأمن سيناء، وعدم الانخراط في مغامرات عسكرية لا تخدم مصر، والتمسك بحقوق مصر المائية، ورفض أن تتحول الدولة المصرية إلى مجرد ساحة لاستقبال نتائج صراعات الآخرين، كلها مواقف تضع مصالح مصر في مواجهة مصالح أطراف أخرى، ومن هنا يمكن فهم لماذا يصبح موقف الرئيس السيسي، في بعض الملفات، كأنه لقمة في الزور بالنسبة إلى قوى تريد من مصر أن تقبل ما ترفضه، أو أن تتحمل ما لا ينبغي أن تتحمله.
لكن قيمة أي موقف لا تُقاس فقط بصلابته في لحظة الأزمة، وإنما بقدرته على إنتاج نتيجة مستدامة. ولذلك فإن المطلوب من الرئيس في السنوات المتبقية ليس فقط الاستمرار في رفض الضغوط، بل بناء منظومة وطنية تجعل هذا الرفض قابلًا للاستمرار بعده. فلا ينبغي أن يكون استقلال القرار مرتبطًا بشخص الرئيس، بل بمؤسسات قوية واقتصاد منتج وجبهة داخلية متماسكة وعلاقات دولية متنوعة. وهذا هو الفارق بين موقف سياسي ناجح في لحظة، وبين بناء دولة قادرة على حماية مصالحها لعقود.
إنني أريد أن تصل مصر إلى أبريل 2030 وهي لا تكتفي بالنجاة من التهديدات، بل تمتلك القدرة على التأثير في محيطها، ولا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تشارك في صناعة الحلول، ولا تنتظر أن يقرر الآخرون مستقبل المنطقة، بل تكون طرفًا رئيسيًا في رسمه. وأريد أن يكون الرئيس القادم أمام دولة أكثر وضوحًا في أولوياتها، وأكثر قوة في اقتصادها، وأكثر تماسكًا في مجتمعها، وأكثر استقلالًا في قرارها، وأكثر قدرة على حماية حدودها ومياهها وممراتها ومصالحها.
لقد انتصرت مصر من قبل لأنها لم تفقد ذاكرتها، ولأنها استطاعت في لحظات تاريخية أن تجمع بين القرار والإعداد والوعي والإرادة، واليوم لا نحتاج إلى أن نعيش أسرى الخوف من المؤامرات، ولا أن ننكر وجود صراعات ومصالح وضغوط، بل نحتاج إلى أن نقرأ العالم كما هو، وأن نعرف من أين يأتي الخطر، وكيف يعمل، وما الذي يريده، وما الذي نستطيع فعله لمواجهته.
إن الوعي يبدأ من حشد الجبهة الداخلية، وإمدادها بالمعلومات، وإشراكها في فهم المخاطر، وبناء الثقة بينها وبين مؤسسات الدولة؛ فالشعب الذي يعرف ما يواجهه، ويثق في عدالة دولته، ويدرك أن أرضه ومؤسساته ومستقبله ليست مجالًا للمساومة، لا يمكن تقسيمه بسهولة، ولا يمكن دفعه إلى التخلي عن وطنه. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس أن تتعدد التهديدات حولها، بل أن تنقسم من الداخل وهي تواجهها.
وأعتقد أن أفضل ما يمكن أن يقدمه الرئيس السيسي لمصر قبل نهاية ولايته ليس مجرد احتواء تهديدات اليوم، وإنما تأسيس قدرة وطنية تجعل مصر قادرة على مواجهة تهديدات الغد؛ فالأوطان لا تنتصر لأنها لا تواجه المخاطر، وإنما لأنها تعرف كيف تستعد لها، وكيف تحول دروس الماضي إلى قوة في الحاضر، وكيف تحشد شعبها حول الحقيقة والمصلحة الوطنية، وكيف تسلم الأجيال القادمة دولة لا تخاف من العالم، ولا ترضخ لضغوطه، ولا تسمح لأحد أن يقرر مستقبلها نيابة عنها.
- نبيل فهمي يحذر من إعادة تشكيل الشرق الأوسط: الغلبة أصبحت لقانون القوة
- مجدي الجلاد يكشف ارتباط سد النهضة بصراعات إعادة تشكيل المنطقة
- البنك الدولي: مصر خسرت 16.5 مليار دولار من قناة السويس في 33 شهرا
- المنطقة لا تحتمل تبعات صراع عسكري آخر، الخارجية الأمريكية تحذر إثيوبيا وإريتريا
- الفريق أسامة ربيع يشهد تدشين 3 قاطرات بحرية جديدة من طراز عزيمة ولحام قرينة 5 قاطرات





