جاء اجتماع ترامب مع قادة المنطقة بعد بضع ساعات على تهديده على منصة الجمعية العمومية بتدمير إيران، أو كعادته، توقيع اتفاق معها، وفي الوقت نفسه، ليس بصورة مباشرة، تناقش مساعداه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. واستمر النقاش حوالي ثلاث ساعات، وتركزت حول الاقتراح الجديد الذي قدمته إيران في 16 الشهر الحالي، والذي -حسب محسن رضائي، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي- يشمل سبعة شروط لاستئناف المفاوضات.
لم يُعلن عن كل الشروط، لكنها تشمل مثلاً، رفع الحصار عن إيران، والتعهد بعدم شن هجوم ورفع العقوبات. وحسب ترامب، كانت المحادثات “جيدة جداً”، ولكن من الأفضل عدم الاعتماد على انطباعاته. يصعب تذكر متى وصف مثل هذه المحادثات بطريقة مختلفة. مع ذلك، يظهر بعض التقدم من الجانب الإيراني. وحسب المتحدث باسم الحرس الثوري حسين محبي، فإن القناة الدبلوماسية لم تغلق. وقال محبي: “علينا تحديد متى وكيف يتم ضمان مصالحنا الوطنية وبأي طريقة. إذا كانت مصالحنا الوطنية تتطلب منا القتال فالقتال، وإذا تطلبت منا الدمج بين الحرب والمفاوضات فعلينا التفاوض”.
وكان رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أكثر حزماً في هذا الشأن؛ ففي تصريحات نقلها موقع “نور” الإيراني هذا الأسبوع، هاجم من يعارضون المفاوضات، وخلص إلى أن هناك نهجاً يتحدث عن الحرب دون تقديم رؤية أو آلية لإنهائها من موقع قوة… هذا النهج، الذي ينكر الحوار والدبلوماسية ويتجاهل القدرات المتاحة للدولة، يقودها إلى حالة من الإنهاك وإلى حرب لا نهاية لها”.
لكن بغض النظر عن اللقاءات والتصريحات العلنية التي ممن غير الواضح بعد إذا كانت ستؤدي إلى استئناف المفاوضات وتحقيق رؤية ترامب لإنهاء الحرب بعد انتخابات نصف الولاية، سيطلب من ترامب أيضاً النظر في المبادرة العربية، التي تتبلور بالتوازي مع المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران. هذه ليست مبادرة سرية، بل هي قيد التداول منذ بضعة أشهر، لقد بدأت كأفكار تجريبية نشرت في معاهد أبحاث في دول الخليج وكتابات في الصحف، لكنها كشفت علناً، وبشكل شبه رسمي، في الأسبوع الماضي.
قال الدكتور أنور قرقاش، كبير المستشارين السياسيين لرئيس دولة الإمارات العربية: “تحتاج الدول العربية وإيران إلى حوار مباشر حول مستقبل المنطقة، بدلاً من ترك النقاشات الاستراتيجية في المقام الأول لطهران وواشنطن”. وبحسبه، تعتبر إيران نفسها القوة المهيمنة في المنطقة، وبالتالي، حسب رأيها، تعتبر الولايات المتحدة شريكة لها. وأضاف قرقاش في اجتماع نظمه موقع “المونيتور” في نيويورك قبل أسبوع: “نحن بحاجة إلى رؤية جديد”.
كانت أقوال قرقاش واضحة جداً، لا يمكن للدول العربية الوقوف مكتوفة الأيدي وتحمل هجمات الصواريخ والمسيرات والأضرار الاقتصادية الجسيمة، وأن تنتظر أي تطور، سواء جاء أم لا، بين الولايات المتحدة وإيران.
ولمح قرقاش إلى أن الدول العربية بوصفها أكبر قوة سياسية واقتصادية في المنطقة، بحاجة إلى التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران. لا يقتصر هذا الاتفاق على مسألة العبور الآمن في مضيق هرمز فقط، بل يشمل أيضاً مسألة الأمن الإقليمي على المدى البعيد، وعلاقات إيران مع دول الخليج، ووضع وكلاء إيران. يجب أن تجرى هذه المحادثات بين الدول العربية، ولا يجب أن تعتمد على وساطة أمريكا.
الحاجة إلى “رؤية جديدة” التي يتحدث عنها قرقاش ليست إلا تعبيراً عن الإحباط وخيبة الأمل العميقة إزاء أسلوب ترامب وتعامله، ليس فقط مع إيران، بل مع حلفائه الذين لم يحصلوا على الحماية الكافية التي يستحقونها، سواء عندما هاجمتهم إيران مباشرة أو عندما هاجم الحوثيون السعودية. في الواقع، تجري الاتصالات بين إيران ودول الخليج على ثلاثة مستويات، تشمل اقتراحات ملموسة ونقاشات ثنائية وسلوك استراتيجي، وجميعها لم تتبلور بعد في خطة عمل مفصلة، ولكن الهدف المركزي المشترك واضح. في بداية أيار، نشر في تقارير عن السعودية كانت تسعى إلى التوقيع على اتفاق عدم اعتداء مع إيران، بمشاركة عدة دول خليجية.
وفي 12 أيلول، التقى ولي عهد الإمارات خالد بن محمد بن زايد مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وناقش معه ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، وتعزيز إطار اوسع للتعاون. كانت الرسالة واضحة: ستدافع الإمارات عن نفسها ضد الهجمات الإيرانية، لكنها لن تسمح للصراع بالتأثير على علاقاتها بعيدة المدى معها. بعد يومين، في 14 أيلول، كان مقرراً أن يجتمع عراقجي في مدينة صلالة في سلطنة عمان مع وزراء خارجية خمس دول خليجية، حيث كان من المقرر عرض مسودة الاتفاق التي تم التوصل إليها بين سلطنة عمان وإيران حول ترتيبات الملاحة في الخليج.
أعلنت البحرين، العضوة السادسة في مجلس التعاون الخليجي، أنها لن تنضم للقاء بسبب معارضتها لأي مفاوضات “تصالحية” مع إيران في ظل هجماتها عليها وعلى جيرانها. ومن المثير للاهتمام أن هذا المبرر لم يزعج دول الخليج الأخرى.
في نهاية المطاف، لم يتم عقد اللقاء “للحفاظ على التوافق”، كما أوضح وزير خارجية سلطنة عمان، بل يبدو أن السبب الحقيقي يكمن في هجمات الحوثيين على السعودية، التي طلبت إلغاء هذا اللقاء بسبب ذلك.
في هذا السياق، عززت قطر اتصالاتها مع إيران، وتجلى هذا في هذا الأسبوع عندما صرح رئيس وزراء قطر محمد بن عبد الرحمن أن “دول الخليج بحاجة إلى إطار أمن يشمل إيران أيضاً”. لم يذكر في كل هذه التصريحات العلنية أي شيء عن ضرورة استئناف الحرب ضد إيران. وحتى في نيويورك، انصب التركيز الرئيسي على ضرورة التحرك دبلوماسياً ووقف التهديدات.
مع ذلك، حتى زعماء دول الخليج حلفاء ترامب المقربين، يعرفون أن هذه المبادرة ستواجه صعوبة في التحول إلى خطوات عملية دون دعم الولايات المتحدة ومساندتها. لا تستطيع أي دولة من هذه الدول ضمان تحقيق ما تطلبه إيران من الولايات المتحدة: رفع الحصار عن مضيق هرمز، رفع العقوبات الاقتصادية، ضمانات بعدم التعرض لهجوم جديد، انسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران. هذه طلبات أساسية وتعتبرها إيران شرطاً لاستئناف المفاوضات، وتنفيذها ليس من صلاحية الدول العربية.
المسار الذي قد تسير فيه هذه الدول هو صياغة خطة مشتركة مع إيران: خارطة طريق تعرض على ترامب وتسعى إلى إقناعه بتبنيها. هنا تكمن نقاط الضعف الرئيسية في المبادرة العربية. قد تمتلك دول الخليج أداة ضغط على ترامب والتأثير عليه، لكنها تفتقر إليها في مواجهة إيران، ولا يمكنها، كما تعترف هي نفسها، التنازل عن المظلة الأمنية الأمريكية، لا سيما بعد فشل التحالفات الاستراتيجية بين السعودية وتركيا وباكستان في إثبات قدرتها على توفير إطار حماية أو ردع.
لقد بدأت الدول العربية تفكر كقوة استراتيجية مستقلة، لكنها لا تزال تفتقر إلى أدوات هذه القوة. يمكنها صياغة الاتفاق وإقناع ترامب وفتح الباب أمام طهران، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان رد إيران الذي سيحول المبادرة إلى اتفاق.
تسفي برئيل
هآرتس 24/9/2026
- «كونا» تُشارك في المنتدى الدولي الرابع «الحوار حول الأخبار الزائفة» في موسكو
- 1.07 مليار دينار ترسيات حكومية ونفطية
- من الكويت إلى الدنمارك.. «المرأة الدولية» تفتتح موسمها بجسور من الثقافة والصداقة
- وزيرة «الأشغال»: الكويت تدعم إطار مبادرة تنمية النقل المستدام العالمي
- وفد طلبة «التطبيقي» يختتم رحلته التعليمية إلى الصين لتعزيز خبراتهم في التكنولوجيا والابتكار


















0 تعليق