دمشق – “القدس العربي”: تحولت إيجارات المنازل في دمشق بالنسبة إلى الكثير من الأسر إلى عامل يحدد مكان السكن ونمط الحياة وحدود القدرة على البقاء داخل المدينة. ففي مشروع دمر “الشام الجديدة”، تظهر عروض عقارية بإيجارات تتراوح بين 1000 و1300 دولار شهرياً، مع تفاوت الأسعار تبعاً للمساحة والموقع ومستوى التجهيز.
فجوة واسعة
في المقابل، تكشف بيانات المركز السوري لبحوث السياسات عن فجوة واسعة بين الأجور وكلفة المعيشة. فقد بلغ متوسط الأجر الشهري للموظف الجامعي عند بدء التعيين في القطاع العام نحو 1.13 مليون ليرة سورية، أي ما يقارب 100 دولار، مقابل نحو 1.30 مليون ليرة، أو 115 دولاراً، للعامل في القطاع الخاص، فيما وصل المتوسط لدى موظف القطاع المدني إلى نحو 3.1 ملايين ليرة، أي قرابة 270 دولاراً.
وتزداد الفجوة وضوحاً عند مقارنة هذه الأجور بكلفة المعيشة. ففي نهاية حزيران/يونيو الفائت، قدر “مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة” الحد الأدنى لتكاليف معيشة أسرة سورية من خمسة أفراد بنحو 7.99 ملايين ليرة شهرياً، أي نحو 580 دولاراً، فيما بلغ متوسط تكاليف المعيشة نحو 12.78 مليون ليرة، بما يقارب 930 دولاراً. ويعتمد المؤشر سلة غذائية تمثل نحو 60 % من إجمالي كلفة المعيشة، بينما تمثل النفقات الأخرى، ومنها السكن والمواصلات والتعليم والصحة والاتصالات، نحو 40 %.
ومع ارتفاع كل هذه النفقات، تجد أسر نفسها مضطرة إلى مغادرة أحياء اعتادت العيش فيها سنوات طويلة، والبحث عن مساكن أرخص على أطراف العاصمة، حيث ينخفض الإيجار، وترتفع كلف أخرى أقل ظهوراً في عقد الإيجار كالمواصلات، والطاقة، والمياه، والخدمات، وتغيير المدارس، والوقت والمسافة عن مكان العمل.
وأمام هذه المعادلة، لا يعود السؤال بالنسبة إلى الأسر الدمشقية هو: أين تريد أن تسكن؟ بل: أين تستطيع أن تسكن؟ وكم تدفع الأسرة فعلياً مقابل السكن بعد احتساب النفقات؟ وهل يكون المنزل الأرخص أقل كلفة بالفعل؟
كلفة يومية أكبر
سليمة أم مالك، البالغة 42 عاماً، تختصر جانباً من هذه المفارقة، فالموظفة في مؤسسة البريد الرئيسي في شارع سعد الله الجابري بجوار منطقة الحجاز التاريخية، والتي عاشت حياتها في حي المزة الدمشقي، تضطر اليوم إلى مغادرة المنطقة والانتقال إلى أحد الأحياء البعيدة في ضواحي العاصمة بعد أن أصبح الإيجار يفوق قدرتها.
وتقول لـ”القدس العربي”: “أعتبر أن العثور على منزل بعيد عن مركز المدينة، وضمن الإمكانات المالية، بمثابة بداية تنازلات جديدة فقد وجدنا منزلاً يناسب الميزانية بالفعل، لكن ذلك لا يعني أن يكون مريحاً بالضرورة أو قريباً من مكان العمل والمدرسة والخدمات”.
الموظفة التي عاشت حياتها في حي المزة الدمشقي، تضطر اليوم إلى مغادرة المنطقة والانتقال إلى أحد الأحياء البعيدة في ضواحي العاصمة بعد أن أصبح الإيجار يفوق قدرتها
وتضيف: “ارتفاع تكاليف السكن جعل القدرة المالية عاملاً حاسماً في تحديد مكان الإقامة، ويعني ذلك الانتقال إلى مناطق بعيدة تفتقر إلى كثير من الخدمات، حيث “اضطررت إلى التخلي عن جزء من المزايا التي كانت متاحة في مركز المدينة، بدءاً من الحدائق والملاعب والنوادي للأطفال والكبار، وصولاً إلى مستوى الخدمات البلدية والنظافة، حيث يعتمد الأطفال في بعض المناطق البعيدة على الشوارع والساحات أو الأحياء المحيطة بالمنزل كمساحة للعب، في ظل انعدام المرافق المخصصة لهم، كما تتعاظم المشاكل الخدمية المتعقلة بتراكم القمامة وضعف خدمات البلديات”.
وتقول: “يكمن الفارق في سوء الخدمات التي يحصل عليها السكان مقابل انخفاض كلفة السكن”.
وتضيف: “بعد تجربتي الشخصية، أرى أن السكن الأرخص يعيد توزيع النفقات لا يلغيها، كما كان متوقعاً، فالكهرباء والمياه والإنترنت والطرق والنظافة تتحول إلى فواتير يومية تتطلب إنفاقاً إضافياً أو حلولاً بديلة مكلفة بدورها، فقد يمتد انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، فيما تصل المياه في بعض المناطق مرة واحدة أسبوعياً، وتعاني بعض الطرق من الحفر وتجمع المياه خلال الشتاء، فضلاً عن وجود أبنية سكنية معروضة للإيجار ولم تستكمل تكسيتها.
وعن أسباب مغادرتها حي المزة تقول: “اضطررت إلى ترك المنزل بعد رفع الإيجار بنحو 50 %، ليصل إلى نحو 1000 دولار شهرياً، في وقت لا يتجاوز راتبي 200 دولار”، مضيفة أن “السكن اليوم داخل دمشق يفوق قدرة 5 موظفين مجتمعين على سداد أجرة شهر واحد، أو أننا مجبرون على خيارات أقسى، إذ نحتاج عند السكن على أطراف المدن لتكاليف إضافية لم تكن في الحسبان لتأمين خدمات غير مستقرة، من الكهرباء والمياه والإنترنت إلى الطرق والنظافة العامة”.
وتتابع: “الابتعاد عن مركز المدينة في ظل ارتفاع تكاليف الإيجارات وعودة المهجرين واللاجئين إلى بيوتهم، وقلة الوحدات السكنية القابلة للسكن فرض تغييرات جذرية على نمط الحياة، خصوصاً بالنسبة إلى الموظفين الذين يعملون داخل العاصمة، كما أن بعض المناطق الطرفية تبعد نحو 15 كيلومتراً عن وسط دمشق، ما يفرض على الموظفين مغادرة منازلهم قبل موعد العمل بساعة أو أكثر للوصول في الوقت المحدد، أما العودة فتصبح أكثر صعوبة في المساء، خصوصاً عند التأخر، مع قلة المواصلات، ما قد يدفع إلى استخدام سيارات الأجرة، وبالتالي استهلاك جزء من الوفر الذي تحقق من انخفاض الإيجار.
كلفة أعلى
تقى نحاس، 27 عاماً، طبيبة في مستشفى حكومي، تكشف لـ “القدس العربي” وجهاً آخر لأزمتها مع السكن، حيث تقول: “اضطررت إلى مغادرة منزلي في مشروع دمر بعد ارتفاع بدل الإيجار إلى أكثر من 1000 دولار شهرياً كما تزامن قرار الرحيل مع ارتفاع فواتير الخدمات الأساسية، ما جعل كلفة البقاء في المنزل تتجاوز قدرتي وقدرة زوجي على تحمل هذه الأعباء، حيث ارتفعت فواتير الكهرباء والمياه بما لا يقل عن الضعف”.
انتقلت الأسرة بحسب تقى إلى أطراف دمشق، حيث انخفض الإيجار إلى نحو 500 دولار شهرياً، لكن هذا الانخفاض جاء على حساب عوامل أخرى، إذ أصبح المنزل أبعد وتراجعت الخدمات المتاحة، وارتفعت كلفة التنقل.
نحاس: “انخفاض الإيجار يعني بالضرورة أن كلفة الحياة أصبحت أعلى، ففي حين تنقطع الكهرباء، لا يتوقف عداد الفواتير، لأننا بحاجة إلى طاقة بديلة كالاشتراكات والأمبيرات وغيرها”
وتقول نحاس: “انخفاض الإيجار يعني بالضرورة أن كلفة الحياة أصبحت أعلى، ففي حين تنقطع الكهرباء، لا يتوقف عداد الفواتير، لأننا بحاجة إلى طاقة بديلة كالاشتراكات والأمبيرات وغيرها من الحلول التي تستنزف جزءاً من الدخل”.
وتتابع: “الأمر نفسه ينطبق على المياه والمواصلات والإنترنت، فالمال الذي كانت الأسرة تعتقد أنها ستتمكن من توفيره بعد خفض الإيجار، اضطرت إلى إنفاقه في سبيل تأمين الخدمات التي كانت متاحة بصورة أفضل في مركز المدينة”.
وتقول: “كلفة السكن الحقيقية لا تحددها قيمة العقد الشهري، وإنما مجموع ما تحتاجه الأسرة لتعيش في المكان بصورة مستقرة”.
أزمة الحياة اليومية
وبرأي الطبيبة، فإن القرار الأصعب بالنسبة لها يتوقف على الأطفال، “الذين وجدوا أنفسهم بعيدين عن الأهل والأصدقاء والمحيط الذي اعتادوا عليه”. وتضيف: “لا يمكن تجاهل أثر تغيير البيئة التي اعتادوا عليها على نفسيتهم”.
وتتابع: “لهذا، فإن الانتقال إلى مسكن أرخص لا يعني الخروج من أزمة السكن، بل قد يعني الانتقال من أزمة الإيجار إلى أزمة الحياة، كما أننا بتنا لا نقيس كلفة المنزل بمقدار الإيجار وحده، لأن السعر الحقيقي للسكن هو مجموع ما ننفقه من مرتباتنا وما يخرج يومياً من جيوبنا كي نجعل ذلك المنزل قابلاً للحياة”.

















0 تعليق