حتى في الحقائب: الاحتلال يخسر عقدة الضحية

منذ 21 دقيقة

ليس من عادة الحكومات المتعاقبة على حكم هولندا، بصرف النظر عن ألوانها السياسية وتحالفاتها وائتلافاتها الحزبية، أن تُغضب دولة الاحتلال الإسرائيلي، لأن العكس كان القاعدة وظلت مستويات الانحياز عالية وراسخة لصالح الكيان الصهيوني، ومثلها أنساق الصمت أو حتى التواطؤ مع سياسات الاحتلال والاستيطان والتمييز العنصري والتطهير العرقي وانتهاك القانون الدولي.
لكن ما قبل الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة التي تستكمل قريباً سنتها الثالثة على التوالي، وما ترافق معها من جرائم حرب مماثلة على امتداد الضفة الغربية والقدس المحتلة، ليس كما قبلها حتى بالنسبة إلى دول مناصرة للاحتلال مثل هولندا، خاصة حين يطفح الكيل حيال أمثلة الانتهاك القصوى من جانب قطعان المستوطنين، بحماية جيش الاحتلال وأجهزته الأمنية المختلفة.
والأرجح أن الحكومة الهولندية الحالية تملصت من التوقيع على بيان مشترك صدر عن 12 دولة أوروبية، هي فرنسا وبريطانيا وكندا والدانمرك وفنلندا وأيسلندا وإيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد، يطالب الاحتلال بالوقف الفوري للتوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين. ولكن أمستردام لجأت في المقابل إلى ما يشبه خدمة الحدّ الأدنى، فأقرت قانوناً جديداً يفرض عقوبة السجن 6 سنوات على إدخال منتجات المستوطنات إلى الأراضي الهولندية، الأمر الذي اقتضى من سلطات الجمارك الهولندية تفتيش حقائب القادمين على رحلات شركة الطيران الإسرائيلية (إلعال)،. وهنا قامت قيامة خارجية الاحتلال، فعمدت على الفور إلى سحب الصفة الدبلوماسية من دبلوماسيين هولنديين تعتمدهم أمستردام لدى السلطة الفلسطينية في رام الله.
لكن هذه ليست سوى الواقعة الأحدث عهداً في سلسلة وقائع متتالية، لم تبدأ من بيان الـ12 دولة أوروبية، ومرّت بأشكال التضامن المختلفة مع الشعب الفلسطيني وإدانة حرب الإبادة الإسرائيلية المختلفة التي تعمّ العالم عموماً وأوروبا والولايات المتحدة خصوصاً، ولا يلوح أنها سوف تنتهي مع تصريح وزيرة الشباب الإسبانية بأن الرأي العام الإسباني يؤيد قيام دولة فلسطينية من النهر إلى البحر، أو مع رفض أفراد فريق كرة القدم الإيرلندي مصافحة اللاعبين الإسرائيليين انتصاراً لأهل غزة.
وعلى مدى عقود منذ تأسيس الحركة، وحتى قبل زرع الكيان في فلسطين التاريخية، اعتمدت مجموعات الضغط والدعاية الصهيونية على توظيف فكرة الضحية اليهودية واحتكارها، والاتكاء عليها للتعمية على جرائم حرب واصلت دولة الاحتلال ارتكابها ولم تكن تقل كثيراً عن المحرقة النازية في أوشفتز وسواها. ولقد بات جلياً أن الصهيونية العالمية، وليس دولة الاحتلال وحدها، أخذت تخسر هذه الورقة تباعاً وباضطراد، ليس في معاقل كانت تعتبر حصينة تماماً لصالح الكيان الصهيوني فقط، بل كذلك في داخل مجموعات وقوى يهودية باتت تدرك طبائع «الصناعة» خلف الترويج لمزاعم الضحية الوحيدة والاستئثار بها.
وقد يكون تفتيش حقائب المسافرين الإسرائيليين إلى هولندا تفصيلاً رمزياً واعتبارياً، لكنه إذ أطاش صواب ساسة الاحتلال، في الحكم و»المعارضة» على حد سواء، فلأنه يقول الكثير عن خسارة فادحة كانت تكسب عطف العالم، وتنقلب اليوم إلى مفاعيل معاكسة.

✎

فريق تحرير الاستاد نيوز

فريق التحرير في الاستاد نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق