اعتداء جنود إسرائيليين على مزارعين أثناء قطفهم ثمار الزيتون في بلدة بيتا (الأناضول)
سعيد أبو معلا
الضفة الغربية – «القدس العربي»: على خلاف الموعد الذي أعلنته وزارة الزراعة الفلسطينية لبدء قطف الزيتون وتشغيل المعاصر للموسم عام 2026، دشن المستوطنون المتطرفون في الضفة الغربية موسم سرقة «أبو المواسم» عند الفلسطينيين.
وكانت الوزارة الفلسطينية قد أعلنت أنه استنادا إلى الدراسات الفنية والميدانية ونتائج المتابعة الحقلية وتقييم مراحل نضج الثمار والعوامل المؤثرة في جودة زيت الزيتون، فإن قطف ثمار الزيتون النبالي البلدي يبدأ اعتبارا من الخميس 15 تشرين الأول / أكتوبر 2026، فيما يبدأ قطف النبالي المحسن والأصناف المروية المخصصة لإنتاج الزيت في الخامس من تشرين الثاني / نوفمبر، بما يتوافق مع مرحلة النضج المناسبة واكتمال التلون.
لكن مجموعات المستوطنين المتطرفين، وعلى امتداد جغرافيا الضفة الغربية، قررت الوصول إلى الحقول الفلسطينية والمبادرة بعملية القطف (السرقة) أمام أعين أصحاب الأرض وبحماية من جيش الاحتلال.
وفي خربة مسعود، بالقرب من بلدة يعبد، جنوب غرب جنين، كان المشهد صادما، حيث عكست الصور قيام عائلات استيطانية ارتدت ملابس الفلسطينيين وقامت بعمليات سرقة الزيتون وفق التقاليد الفلسطينية.
وشهد الأسبوع الماضي عمليات سرقة منظمة في كل من جنين ونابلس ورام الله وطولكرم (وسط وشمال الضفة) والقدس وبيت لحم والخليل (جنوب الضفة)، فيما حاول بعض المزارعين الفلسطينيين الوصول إلى حقولهم القريبة من مناطق البؤر الاستيطانية والمستوطنات للحاق بالموسم قبل سرقته، لكن المستوطنين وجيش الاحتلال كانوا لهم بالمرصاد.
ورغم أن وزارة الزراعة الفلسطينية كانت قد أعلنت أن السماح بفتح وتشغيل معاصر الزيتون يبدأ اعتبارا من الأحد 11 تشرين الأول / أكتوبر، فإن المشهد الذي صدم عموم الفلسطينيين هو تدشين المستوطنين في منطقة دير بلوط غرب مدينة سلفيت لمعصرة حديثة، في خطوة وصفت أنها تحدث لأول مرة في الضفة.
ونشرت صفحات المستوطنين على الشبكات الاجتماعية فيديو لعملية تشغيل المعصرة الحديثة، فيما كانت حبات زيتون الفلسطينيين الخضراء المسروقة تدور عبر الآلات لتصير زيتا أخضر غامقا، في أكبر عملية سرقة معلنة.
الاستحواذ على الأصالة
وفي السياق ذاته، كتبت صفحة معروفة تخاطب المستوطنين في الضفة الغربية متسائلة: «هل تحلم بصنع زيت الزيتون بنفسك؟ الأمر أسهل بكثير مما تتخيل».
وتابعت الصفحة: «بعد سنوات طويلة لم تحصل خلالها معظم بساتين الزيتون في إسرائيل إلا على كميات قليلة، افتتح منزلا في تلال إيتمار (مستوطنة شرق مدينة نابلس) بهدف تشجيع الإنتاج المحلي وربط شعب إسرائيل بأرضهم».
وجاء في المنشور: «في هذا المنزل، تحصل على أي كمية تحضرها، بدءا من الزيتون الذي قطفته من الحديقة وصولا إلى محصول نصف طن أو أكثر…».
وجاء في المنشور: «إذا كنت ترغب في التواصل مع الأرض والمشاركة في أنشطة هادفة وممتعة مع جميع أفراد العائلة، توجه إلى البستان الواقع قبالة مستوطنتك مباشرة، واستمتع بخيرات الأرض، ثم توجه مباشرة إلى منزل بستان الزيتون».
وتحمل هذه الدعوة، إلى جانب توفير مكان للقطف والتعامل مع ثمار الزيتون، دعوة مباشرة لسرقة حقول الفلسطينيين.
وختم المنشور بالعبرية: «هل تحلم بصنع زيت الزيتون بنفسك؟ الأمر أسهل بكثير مما تتخيل، زيت زيتون ممتاز، ويعزز الروابط اليهودية في جميع أنحاء بلادنا!».
ونشرت صفحات المستوطنين فيديوهات لمستوطنين صغار وكبار وعائلات كاملة تمارس عملية قطف الزيتون تماما مثل العائلات الفلسطينية، من ناحية الملابس والأدوات وما يرافق عملية القطف من طقوس، وهو أمر أثار حفيظة الفلسطينيين في ظل الرغبة العارمة في تقليد أصحاب الأرض الأصليين.
وعلق الناشط المجتمعي شداد عبد الحق على المشاهد القادمة من حقول الفلسطينيين، بالتأكيد على أن الصور الكثيرة التي كانت تبدو للوهلة الأولى أنها لفلسطينيين يحتفلون بعرس فلسطيني أو منهمكين في حصاد الزيتون، يتضح أنها لمستوطني الضفة الغربية. وقال إن «هذا «الالتباس» الحاصل ليس التباسا صوريا يمكن توضيحه بتعليق ما أو بزاوية أخرى أكثر وضوحا للصورة.. الاستيطان الإسرائيلي منذ سنوات بلغ مرحلة من الإشباع في «جيرة» الفلسطينيين وانتقل الآن «ليستحوذ» على فضاءات تتجاوز الأرض والحيز المادي».
ورأى عبد الحق، في حديث لـ»القدس العربي»، أن المفكر باتريك وولف يعد من أهم من ألفوا في نظريات الاستعمار الاستيطاني. وأضاف: «يمكن لكم أن تلقبوه بإدوارد سعيد الأسترالي، قال حينها إن المسألة تتعدى السيطرة على الأرض لأن الاستيطان لا يستهدف حكم السكان الأصليين، ولكن بناء مجتمع جديد فوق أنقاض مجتمعاتهم الممحوة.. منطق المحو».
وبرأي عبد الحق فإنه، ونظراً إلى «طبيعة سياقنا المختلف، فقد انتقلت إسرائيل منذ سبعينات القرن الماضي من محو السكان الأصليين إلى الاستحواذ على عاداتهم وتقاليدهم وأكلهم وغطائهم النباتي وأعراسهم وزيتونهم».
و»هذا تطلب من الإسرائيلي فهمنا وإدراكنا وتلمّس بنيتنا النفسية والاجتماعية»..
وأضاف أن كل ذلك مسألة قديمة، أما الجديد علينا جميعا فيتمثل في أن الجيل الجديد من الاستيطان، المولود في البلاد والمعتاد عليها بشكل أو بآخر، انتقل إلى مفهوم «الاستحواذ على الأصالة».
وخلص إلى أن الاستحواذ على الأصالة هو نهاية المطاف لدفننا أحياء مشتتين ومائعي الهوية، «نرى أنفسنا في الآخر ولا نرى في أنفسنا شيئا يمكن تعريفه، وبالتالي لا داعي بعد ذلك لـ»المحو» الجسدي المادي».
تقديرات مشكوك فيها
وكانت وزارة الزراعة الفلسطينية قد قالت، في تصريحات لـ»القدس العربي»، إن التقديرات الأولية تؤشر إلى إمكانية إنتاج نحو 21 ألف طن من زيت الزيتون خلال الموسم الحالي، وهي كمية قد تلبي احتياجات السوق المحلية، إلى جانب الكميات المخصصة للتصدير، مع الأخذ بعين الاعتبار إمكانية دخول زيت الزيتون إلى قطاع غزة. لكن هذه الأرقام لم تضع في الحسبان هجمات المستوطنين ومنع عمليات القطف وحالات السرقة التي تتضاعف منذ ما يقرب من أسبوعين.
ومشهد قمع الفلسطينيين ومنع وصولهم إلى أراضيهم امتد في الضفة والقدس أيضا، حيث عرقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي قطاف الزيتون في بلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى المبارك.
وقالت مصادر محلية إن قوات الاحتلال منعت الأهالي من دخول أراضيهم في حي واد الربابة، وعرقلت قطاف الزيتون، واستولت على بعض أدوات القطف ومحصول الزيتون.
وفي نابلس، أصيب ثلاثة مواطنين إثر اعتداء المستوطنين عليهم بالضرب خلال قطف ثمار الزيتون في قرى محافظة نابلس.
وأفادت مصادر محلية أن مستوطنين هاجموا المواطنين، بحماية جنود الاحتلال، خلال قطفهم ثمار الزيتون في قرى وبلدات بيتا، وجماعين، وعوريف، وعصيرة القبلية، وبيت فوريك، ودير شرف، في محافظة نابلس.
وأضافت أن المستوطنين اعتدوا على المواطنين بالضرب، ما أدى إلى إصابة مواطن في بيتا جنوب نابلس، وآخر وزوجته برضوض وجروح في دير شرف غربا.
وأشارت إلى أن قوات الاحتلال أطلقت قنابل الصوت والغاز السام تجاه المواطنين ومتضامنين أجانب خلال قطفهم ثمار الزيتون.
هجمات إرهابية
وشهدت بلدة بيتا مهاجمة مستوطنين لعشرات المزارعين جنوب نابلس، حيث هاجموهم خلال قطفهم ثمار الزيتون في منطقة جبل العرمة شرق بيتا، وأطلقوا الرصاص الحي باتجاههم، دون أن يبلغ عن إصابات.
وقال وهاج بني مفلح، في حديث لـ»القدس العربي»، إن دعوة عممت يوم أمس في البلدة من الفصائل والأحزاب والمؤسسات، وطالبت الأهالي بالوجود في منطقة «جبل العرمة» شرقا ضمن عملية قطف جماعية وفق ما كان مخططا له.
وتابع: «قبل أشهر تعمق الاستيطان في منطقة الجبل المستهدف، والذي يعد مكانا مليئا بحقول الزيتون، وعندما حضر المواطنون إلى حقولهم قام المستوطنون بشن الهجمات، كما اتصلوا بالجيش الذي جاء وقمع جميع الموجودين وأعلن المنطقة عسكرية مغلقة».
واوضح بني مفلح أن هجوما عنيفا شنه المستوطنون الذين هاجموا المزارعين وأطلقوا الرصاص الحي وقنابل الصوت والغاز.
وأضاف: «أصيب كثر بفعل السقوط على الحجارة بفعل القمع والتدافع، فيما فشلت عملية قطف الزيتون».
يذكر أنه في إطار الاستعداد لموسم القطف، عملت اللجنة العليا للحملة الوطنية لقطف الزيتون على اعتماد نهج لامركزي هذا العام، من خلال تشكيل لجان محلية في القرى والبلدات، برئاسة الهيئات المحلية وبمشاركة المؤسسات، والفعاليات المجتمعية، والقوى الوطنية والمتطوعين.
ويهدف هذا النهج إلى تنظيم الجهود خلال الموسم، وضمان وصول الدعم والمساندة إلى المزارعين، وتعزيز الحماية في المناطق الأكثر عرضة للاعتداءات، إلى جانب الاستجابة السريعة للحوادث والاحتياجات الطارئة، ورفع مستوى التنسيق بين اللجان المحلية والجهات الرسمية والأمنية والمؤسسات الشريكة.
أما في سلفيت، فتواصلت اعتداءات المستوطنين وقوات الاحتلال الإسرائيلي على المزارعين في عدد من بلدات وقرى محافظة سلفيت، تزامنا مع موسم قطف الزيتون، ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم الزراعية وقطف ثمار الزيتون.
وأفاد صالح خلف، في حديث لـ»القدس العربي»، أن المستوطنين وقوات الاحتلال منعوا المزارعين من قطف ثمار الزيتون في المنطقة الغربية من بلدة ديراستيا، فيما أجبروا مزارعين على مغادرة أراضيهم في فرخة وحارس.
وأضاف أن قوات الاحتلال احتجزت ثلاثة مزارعين من بلدة حارس أثناء قطفهم ثمار الزيتون في أراضيهم القريبة من الشارع الرئيسي.
وأبدى خلف مخاوفه من صعوبة الوصول إلى الأراضي الخاصة بالبلدة بفعل سياسات أساسها منع المزارعين من التوجه إلى حقولهم.
وفي السياق ذاته، أفاد مزارعون أن المستوطنين هاجموهم أثناء قطفهم ثمار الزيتون في منطقة واد عباس في بلدة قراوة بني حسان، وحطموا زجاج عدد من مركباتهم، وأصيب أحد المواطنين بجروح جراء إلقاء المستوطنين الحجارة باتجاه المزارعين، بالتزامن مع اعتداءات هدفت إلى منعهم من الوصول إلى أراضيهم وقطف محصول الزيتون.
أما في قرية حارس، فقد اعتدى مستوطنون على المزارعين، وأجبروهم على مغادرة أراضيهم، ومنعوهم من مواصلة أعمالهم الزراعية وقطف ثمار الزيتون.
وفي قرية فرخة، أفاد أحد المزارعين بأن مجموعة من المستوطنين اعتدت عليه بإلقاء الحجارة، ومنعت المزارعين من الوصول إلى أراضيهم في منطقة الجيزة والمناطق المحيطة بها شمال غرب القرية، فيما تتواصل عمليات سرقة ثمار الزيتون لليوم الثالث على التوالي، وفق إفادات مزارعين من المنطقة.
وفي منطقة ياسوف، هاجم المستوطنون المزارعين أثناء وجودهم في أراضيهم في منطقة واد الأحمر، ومنعوهم من قطف ثمار الزيتون واعتدوا عليهم، وذلك بحماية قوات الاحتلال التي كانت موجودة في المكان ومنعت المزارعين من مواصلة أعمالهم.
وفي بيت لحم، كسر مستوطنون عددا من أشجار الزيتون في منطقة أبو انجيم جنوب شرق بيت لحم، تعود للمواطن أبو رمزي خليف.
تأسيس حركة شعبية
ورأى المحلل السياسي والكاتب جهاد حرب أن ما يجري في موسم الزيتون 2026 يحتم ضرورة تأسيس حركة شعبية.
وقال حرب، في حديث لـ»القدس العربي»: «لقد استعجل بعض المواطنين، خشية من سرقته من قبل المستوطنين، وحرمان قوات الاحتلال المواطنين من الوصول إلى أراضيهم وأشجارهم المقدسة في ظل الهجمة الواسعة التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي (الحكومة الإسرائيلية والجيش والمستوطنين)».
وتابع حرب: «في ظني أن موسم الزيتون الحالي هو الأصعب على الفلسطينيين، وقد يكون الأكثر دموية، أو أن حبات الزيتون وزيتها هذه المرة مغمسة بالدماء ومخلوطة بها بدلا من التعب والعرق. وأن مطاردة الفلسطينيين التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي عادة ستصبح مضاعفة بالشراكة مع المستوطنين، دون رادع أو قوة قادرة على حماية المزارعين الفلسطينيين».
ورأى أن سياسة الصبر لا تنفع، بل تحتاج إلى علاج قادر على تخفيف الألم من جهة، والتعافي من جهة ثانية. وكلاهما يحتاجان إلى المبادرة والعمل والفعل بدلا من الندب ورد الفعل. وهي «المبادرة المتمثلة بالاستباق، والعمل المتمثل بالسعي المنظم والإرادة الوقادة، والفعل المتمثل بالأثر المحدث أو النتائج»، جزء من ثقافة شعبية قائمة على العقل الجمعي للمجتمع الفلسطيني، تتمثل بالتضامن الاجتماعي والعونة في مواسم الحصاد وأوقات الفرح والحزن.
وخلص إلى أن الموسم يحتاج إلى المبادرة الشعبية والتضامن الاجتماعي في إطار جهد جماعي يؤسس لحركة شعبية مستدامة للدفاع عن حق الفلسطينيين في حماية أرضهم وأرزاقهم. وهذا الإطار الجماعي لا يقتصر على سكان القرى والبلدات المهددة، بل ينخرط به جموع الفلسطينيين للمشاركة والحماية في إطار المبادرة والعمل والفعل، كي يحفظ الفلسطينيون ما تبقى من أرض، والسعي للإبقاء على مقومات صمود المواطنين ممكنة.
- نائب مدير «الدراسات القضائية»: تعزيز التعاون الدولي لمواجهة الجريمة المنظمة والإرهاب
- 16 حالة يجوز فيها إفشاء أسرار المرضى
- «المهندسين»: مشاركة الكفاءات الكويتية بالمحافل العربية لتبادل الخبرات والتجارب
- سفير أوزبكستان: نتطلع إلى شراكة أوسع مع الكويت في الاقتصاد والاستثمار والسياحة والتكنولوجيا
- رنا الفارس: مخرجات اجتماع وزراء مكافحة الفساد الخليجي تعزز التكامل وترسخ الشفافية


















0 تعليق