نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سوريا وألمانيا وحكاية النهوض من تحت الركام, اليوم الأربعاء 8 أبريل 2026 02:52 صباحاً
فألمانيا التي مزقتها الحروب الطائفية في القرن السابع عشر، ثم اجتاحها نابليون، ثم خاضت حروب التوحيد، لم تخرج من هذه التجارب بحدود جديدة فقط، بل خرجت بفلسفات غيرت العالم، هيجل، فيبر، وكلاوزفيتز
هذا التحول العميق في الوعي الألماني هو ما يجعلني أعود دائما إلى تاريخها.
فالهزيمة الألمانية في الحرب العالمية الأولى رسمت حدود العالم العربي، والمحرقة اليهودية ساهمت في قيام إسرائيل، والسياسة الألمانية تجاه الشرق الأوسط لا تزال حتى اليوم محكومة بذاكرة لا تغيب.
وحين استقبلت ألمانيا أكثر من مليون سوري منذ عام 2015، لم تكن تستقبل لاجئين فقط، بل كانت تستقبل مرآة جديدة لضميرها. ومع مرور السنوات، أصبح السوريون جزءا من اقتصادها ومجتمعها: أطباء، مهندسون، طلاب، أصحاب أعمال، وعمال في قطاعات تعاني نقصا حادا في اليد العاملة. تحول الوجود السوري من حالة طارئة إلى قوة فاعلة، حتى باتت بعض المدن الألمانية تشعر بأن غياب السوريين سيترك فجوة يصعب سدها.
وهنا بدأ سؤال جديد يطرح نفسه: كيف يمكن لألمانيا أن تجمع بين مسؤوليتها الأخلاقية تجاه اللاجئين، وحاجتها الاقتصادية إليهم، ورغبتها السياسية في دعم استقرار سوريا؟
في هذا السياق جاءت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى ألمانيا. زيارة لم تكن مجرد لقاءات رسمية، بل كانت إعادة ترتيب للعلاقة بين بلدين جمعتهما الحرب، ويفصل بينهما المستقبل.
ألمانيا التي احتضنت السوريين في لحظة انهيار، تستقبل اليوم رئيسهم في لحظة إعادة بناء. والسوريون الذين وجدوا في ألمانيا ملجأ، أصبحوا اليوم جسرا سياسيا واقتصاديا بين البلدين. الرسالة كانت واضحة: ألمانيا تريد الانتقال من دور الملجأ إلى دور الشريك. شريك في إعادة الإعمار، وشريك في إعادة اللاجئين، وشريك في صياغة مرحلة جديدة في الشرق الأوسط.
إن العلاقة بين ألمانيا وسوريا اليوم ليست مجرد صفحة جديدة في دفتر الدبلوماسية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدول على التعلم من تاريخها، وتجاوز عقدها، وصياغة سياسات لا تحكمها الذاكرة وحدها ولا المصالح وحدها.
فألمانيا التي دفعت ثمنا باهظا لأخطاء الماضي، تبدو اليوم أمام فرصة نادرة: أن تكون جزءا من إعادة بناء بلد دمرته الحرب، وأن تتحول من شاهد على المأساة إلى شريك في صناعة الأمل.
أما سوريا، التي حمل أبناؤها جراحهم إلى شوارع برلين وهامبورغ وميونيخ، فهي أمام لحظة تستعيد فيها دورها وكرامتها، وتعيد وصل ما انقطع بينها وبين العالم. وما بين الطرفين يقف السوريون في ألمانيا - جيل عاش بين لغتين وثقافتين وذاكرتين - ليكونوا الجسر الذي يعبر عليه المستقبل.
و في عالم مضطرب، تتصادم فيه الأخلاق مع المصالح، تبدو ألمانيا وكأنها تعود إلى سؤالها القديم: كيف يمكن للدولة أن تكون قوية دون أن تفقد إنسانيتها؟ وتعود سوريا إلى سؤالها الأعمق: كيف يمكن للشعب أن ينهض من تحت الركام دون أن يفقد حقه في الحياة والكرامة؟
بين هذين السؤالين تكتب اليوم قصة جديدة - ليست ألمانية ولا سورية فقط - بل قصة إنسانية تقول إن التاريخ لا ينتهي عند الهزائم، بل يبدأ من الطريقة التي ننهض بها بعدها.

















0 تعليق