نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مكة لا تنام: مليارات تعمر أحياءها, اليوم الأحد 7 يونيو 2026 09:51 مساءً
لم تكد تسدل الستائر على موسم حج هذا العام، وتعود أرتال الحجاج إلى أوطانهم، حتى أعلنت المملكة العربية السعودية عن حزمة مشاريع تطويرية جديدة في مكة المكرمة، في مشهد بات يتكرر عاما بعد عام ويعكس فلسفة راسخة: أن خدمة ضيوف الرحمن لا تتوقف، بل تبدأ من جديد مع انتهاء كل موسم.
فالمملكة، بحكم تشريفها بخدمة الحرمين الشريفين، تضطلع بمسؤولية استقبال ملايين المسلمين بأعلى درجات الأمان والراحة والكرامة. وما يشهده العقد الراهن يمثل نقلة نوعية، إذ لم تعد التنمية مقتصرة على محيط الحرم، بل امتدت لتشمل أحياء مكة المكرمة بأسرها، في رؤية تجعل من المدينة المقدسة نموذجا حضاريا متكاملا يليق بمكانتها في قلوب المسلمين، حيث أعلنت الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة عن ترسيه ستة مشاريع تطويرية كبرى ضمن برنامج الأحياء المطورة، بقيمة إجمالية تبلغ 13.3 مليار ريال وعلى مساحة تتجاوز 2.7 مليون متر مربع، تشمل أحياء جرهم الجنوبية والخالدية والهجلة والهنداوية بفروعها الشرقية والجنوبية والغربية.
الأثر الاقتصادي لهذه المشاريع يتجاوز بكثير قيمتها المالية المعلنة. فضخ 13.3 مليار ريال في شرايين الاقتصاد المحلي يعني تحريك سلاسل توريد كاملة من مواد البناء والخدمات الهندسية والعمالة المتخصصة، وخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة للكوادر الوطنية، فضلا عن رفع القيمة العقارية لهذه الأحياء وما يرافق ذلك من استقطاب للاستثمار الخاص في القطاعين التجاري والسكاني. وحين تتحسن البنية التحتية وترتفع جودة الحياة في هذه الأحياء الستة، فإن ذلك يعزز من قدرة مكة المكرمة على استيعاب الأعداد المتنامية من الحجاج والمعتمرين، مما ينعكس إيجابا على منظومة السياحة التي تمثل ركيزة أساسية في مسيرة التنويع الاقتصادي التي تقودها رؤية 2030. باختصار، هذه المشاريع ليست مجرد إنشاء أبنية، بل هي محرك حقيقي للاقتصاد الوطني على المدى القريب والبعيد.
بيد أن الأثر الاقتصادي المأمول لن يتحقق من تلقاء نفسه، فنجاح مشاريع بهذا الحجم يرتكز على جملة من العوامل الحاكمة التي لا يمكن إغفال أي منها. في مقدمة هذه العوامل وضوح الأهداف والمخرجات المطلوبة من كل مشروع على حدة، والتنسيق المحكم بين الجهات الحكومية المعنية من بلديات وشركات خدمات ومطورين. ويأتي بعد ذلك التطبيق الصارم لمعايير الجودة في كل مرحلة تنفيذية، وآليات المتابعة والمساءلة الدورية التي تكشف الانحرافات مبكرا قبل أن تتحول إلى أزمات مكلفة.
غير أن أبرز عوامل النجاح على الإطلاق، والأكثر تأثيرا في مصير أي مشروع عام، هي اختيار مديري المشاريع الأكفاء الذين يملكون القدرة على تحويل الخطط إلى واقع ملموس. وقد كشفت دراسة علمية سعودية محكمة نشرت حديثا في مجلة دولية متخصصة، استطلعت آراء أكثر من مئتي متخصص في إدارة المشاريع بالمملكة وحللت 32 كفاية جوهرية، أن ثمة أربع كفايات محورية يجب توافرها في كل من يتولى قيادة مشاريع المنظمات العامة.
أولها القدرة على العمل بكفاءة ضمن فريق متماسك ومنسجم، وهي الكفاية التي حازت أعلى تقييم في الدراسة، لأن المشاريع الكبرى لا ينجزها أفراد بارعون، بل فرق متكاملة. وثانيها القدرة على الحصول على دعم الإدارة العليا والحفاظ عليه طوال دورة حياة المشروع، إذ إن مدير المشروع المعزول عن قيادته لن يستطيع تخطي العقبات التنظيمية مهما بلغت كفاءته الفردية. وثالثها تحديد المخاطر وإدارتها باحترافية قبل وقوعها لا بعده، وهي الكفاية التي تفرق بين مدير يقود المشروع ومدير تقوده الأحداث. ورابعها إدارة الموارد البشرية والقدرة على تحفيز الفريق وإلهامه، لأن الناس هم المورد الحقيقي الأول لأي مشروع، ومن يحسن بناء فريقه ويشعل الحماس في أعضائه يضمن نصف النجاح قبل أن تنطلق أي آلة في الموقع. وهذه الكفايات الأربع مجتمعة هي ما يميز القائد الذي يصنع المشروع عن المدير الذي يسيره.
هذه الكفايات ليست ترفا أكاديميا، بل هي خلاصة تجارب مئات مديري المشاريع الذين عاشوا واقع المشاريع العامة وعرفوا أسباب نجاحها وأسباب إخفاقها. وتطبيقها في اختيار وتأهيل القائمين على مشاريع الأحياء المكية الستة ليس مجرد توصية، بل هو الضمانة الحقيقية لأن تترجَم هذه المليارات إلى قيمة حضارية وإنسانية تليق بأم القرى وتخدم ساكنيها وزوارها جيلا بعد جيل.

















0 تعليق