نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الخوف من الخطأ... خطأ إداري أكبر, اليوم الثلاثاء 30 يونيو 2026 03:51 صباحاً
لا يعد الخوف المبالغ فيه من أخطاء الموظفين ممارسة إدارية ناضجة، بل قد يكون مؤشرا على ضعف الثقة، وغياب الأنظمة، وارتباك آليات التفويض داخل المؤسسة. فتقييد الصلاحيات غالبا ما ينطلق من هاجس الخوف من الخطأ، مع أن الخطأ في بيئة العمل أمر وارد، ولا ينبغي التعامل معه وكأنه كارثة دائمة.
المشكلة ليست في وقوع الخطأ، بل في عجز الإدارة عن تصنيفه وفهم أسبابه. فهناك أخطاء يمكن قبولها والتعلم منها، وهناك أخطاء تستوجب المساءلة، وأخرى لا تحتمل التساهل. لذلك، فإن دور المدير لا يتمثل في منع الموظف من الحركة، بل في بناء نظام واضح يحدد حدود الصلاحيات، وآليات المراجعة، ومستويات المسؤولية. وفي كل مؤسسة ناضجة، يفترض أن يوجد تسلسل وظيفي وإجراءات مراجعة تتيح تصحيح المسار قبل أن يتحول الخطأ إلى ضرر كبير.
على الجانب الآخر، يؤدي تقييد الصلاحيات، خصوصا في مجالات مثل التفاوض والمبيعات والتسويق، إلى كبح قدرات الموظفين المتميزين. فبعض الموظفين يمتلكون مهارات عالية في المبادرة، والإقناع، وقراءة الفرص، لكنهم يفشلون في إظهار هذه القدرات لأنهم يعملون داخل مساحة ضيقة لا تسمح لهم باتخاذ قرار أو اختبار فكرة أو استثمار فرصة في وقتها المناسب.
إن الإدارة التفصيلية المفرطة قد تكون مناسبة في مراحل التدريب الأولى، لكنها لا تصلح كأسلوب دائم مع موظفين يفترض أنهم قادرون على التفكير والعمل وتحمل المسؤولية. فعندما يدار الموظف في كل تفصيلة صغيرة، يبدأ تدريجيا في فقدان استقلاليته، ويعتاد انتظار التوجيه في كل خطوة، بدلا من تطوير قدرته على التفكير والتحليل واتخاذ القرار.
وعندما يشعر الموظفون بأنهم مراقبون باستمرار، وأن كل قرار يتخذونه خاضع لتدقيق مبالغ فيه، فإن دافعيتهم للعمل تبدأ بالتراجع. والأسوأ من ذلك أن ثقتهم بأنفسهم قد تضعف، لأن الرسالة غير المباشرة التي تصلهم هي أن الإدارة لا تؤمن بكفاءتهم ولا تطمئن إلى حكمهم المهني.
كما أن التدخل المستمر من المدير في المهام اليومية يجعل الموظفين أكثر اعتمادا عليه، ويضعف فرص نموهم القيادي. وهنا تظهر مشكلة أعمق: مؤسسة لا تمنح موظفيها فرصة اتخاذ القرار لن تنجح غالبا في صناعة قيادات مستقبلية من داخلها. فالقيادة لا تنشأ في بيئة خانقة، بل في بيئة تمنح الثقة، وتسمح بالتجربة، وتربط الحرية بالمسؤولية.
وعلى مستوى الإنتاجية، فإن الانشغال بالتفاصيل الصغيرة يستهلك وقت المدير والموظف معا. فكثرة المراجعات والتدخلات في أمور محدودة الأثر تقلل الكفاءة، وتبطئ الإنجاز، وتحول العمل من مساحة إنتاج إلى سلسلة طويلة من الموافقات والانتظار.
ولا تقف آثار الإدارة التفصيلية عند حدود الإنتاجية فقط، بل تمتد إلى المناخ النفسي داخل المؤسسة. فالموظف الذي يشعر بأن كل خطوة يخطوها موضع شك وتدقيق يعيش تحت ضغط دائم، وهذا يصنع بيئة عمل متوترة وغير مريحة. ومع مرور الوقت، تضعف العلاقة بين المدير والفريق، لأن الثقة تستبدل بالرقابة، والمبادرة تستبدل بالخوف، والحماس يستبدل بالحذر.
وعندما يحتكر المدير التفاصيل كافة، فإنه لا يضر موظفيه فقط، بل يضر نفسه أيضا. فالمدير الغارق في التفاصيل اليومية يفقد قدرته على رؤية الصورة الكبرى، ويتراجع دوره في التخطيط، وصناعة الاتجاه، وبناء الاستراتيجية بعيدة المدى. وبدلا من أن يكون قائدا للمؤسسة، يتحول إلى مراقب دائم لمهام صغيرة كان يمكن تفويضها ومتابعتها بذكاء.
ختاما، لا يعني منح الصلاحيات التخلي عن الرقابة، ولا يعني التفويض غياب المساءلة. المطلوب هو توازن عاقل بين الثقة والمتابعة، وبين الحرية والانضباط، وبين تمكين الموظفين وحماية مصالح المؤسسة. فالإدارة الناجحة لا تروض الموظفين ولا تكسر مبادرتهم، بل تبني فيهم القدرة على تحمل المسؤولية، واتخاذ القرار، وصناعة القيمة.
hananabid10@

















0 تعليق