تواجه البحرين اختبارًا اقتصاديًا وماليًا صعبًا بعد انتقال حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، إلى ضغوط مباشرة على الإنتاج والتجارة والملاحة والبنية التحتية، في وقت تحمل فيه البحرين واحدة من أعلى نسب الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي بين الاقتصادات الخليجية وعجزًا ماليًا متكررًا واحتياطيات أجنبية محدودة نسبيًا قياسًا باحتياجاتها الخارجية.
أعلنت وزارة المالية والاقتصاد الوطني أن الأنشطة غير النفطية أسهمت بنحو 85.8% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة خلال 2025، إلا أن تقديرات صندوق النقد الدولي، الصادرة في يناير 2026، تظهر أن الدين الحكومي الإجمالي مرشح للارتفاع إلى 149.7% من الناتج المحلي في 2026، مقابل 134% في 2024، مع استمرار العجز المالي عند مستويات مرتفعة.
وتوقع البنك الدولي في تقريره عن البحرين الصادر في أبريل 2026 أن تكون البحرين من أكثر الاقتصادات الخليجية تعرضًا للتأثر إذا طال أمد التوترات، بسبب صغر حجم اقتصادها وقربها الجغرافي من بؤرة حرب إيران واعتمادها على مضيق هرمز.
لماذا يغامر الأثرياء في البورصة بينما يكتفي آخرون بادخار الذهب؟
85.8% من الناتج غير نفطي
توجد فجوة داخل الاقتصاد البحريني، من حيث مصادر إنتاج الناتج المحلي وتنويع مصادر تمويل الموازنة العامة، فوفق التقرير الاقتصادي لمملكة البحرين لعام 2025 الصادر عن وزارة المالية والاقتصاد الوطني في 13 أبريل 2026، سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموًا بنسبة 3.5% خلال العام الماضي، مدفوعًا بزيادة الأنشطة غير النفطية 4.1%، بينما انخفضت الأنشطة النفطية 0.3%، وبلغت مساهمة القطاعات غير النفطية 85.8% من الناتج المحلي بالأسعار الثابتة.
وتكشف بيانات المالية العامة صورة مختلفة عند الانتقال من الناتج إلى الإيرادات الحكومية، فبحسب بيانات الحساب الختامي الموحد لعام 2025، بلغت الإيرادات العامة الفعلية نحو 2.688 مليار دينار بحريني، مقابل مصروفات فعلية بلغت 4.454 مليار دينار، ما أدى إلى عجز بلغ 1.766 مليار دينار، متجاوزًا العجز المدرج في الموازنة بنحو 290 مليون دينار.
والأكثر أهمية أن الإيرادات غير النفطية بلغت 1.387 مليار دينار، مقابل 1.301 مليار دينار إيرادات نفطية، أي إن النفط لا يزال يمثل نحو 48% من إجمالي الإيرادات العامة، رغم أن مساهمة الأنشطة غير النفطية تجاوزت 85% من الناتج المحلي.
ولا تعني الإيرادات غير النفطية فقط ضرائب الشركات، وإنما تشمل أيضًا الرسوم والخدمات والضرائب على الاستهلاك وغيرها، فقد بلغت إيرادات الرسوم والخدمات نحو 1.09 مليار دينار، فيما سجلت حصيلة ضريبة القيمة المضافة نحو 627.35 مليون دينار، وفق بيانات الحساب الختامي المنشورة في سبتمبر 2026.
مزحة إيلون ماسك تخلق عملة "ريجريتامين" الرقمية لتقفز 1200% في 24 ساعة
انكماش الناتج 3.8% في الربع الأول
ظهر الاختبار الأوضح لقدرة الاقتصاد البحريني على امتصاص الصدمات في الربع الأول من 2026، عندما انعكست تداعيات الحرب على الإنتاج النفطي وحركة الصادرات، فبحسب وزارة المالية والاقتصاد الوطني البحرينية، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.8% على أساس سنوي خلال الربع الأول من 2026، نتيجة انخفاض الأنشطة النفطية بنسبة 37.2%، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نموًا بلغ 2.2%.
وعلى مستوى الأسعار الجارية، تراجع الناتج المحلي بنسبة 2.7%، مع انخفاض الأنشطة النفطية 31.1%، مقابل نمو الأنشطة غير النفطية 1.9%.
وتعزو الوزارة التراجع النفطي إلى القيود التي فرضتها اضطرابات حركة الملاحة في مضيق هرمز على القدرة التصديرية، إلى جانب أعمال الصيانة المجدولة.
وقد ارتفعت حصة الأنشطة غير النفطية إلى 90.1% في الربع الأول، لكنها ارتفعت في الوقت نفسه الذي انهار فيه النشاط النفطي 37.2%، أي إن زيادة الوزن النسبي للقطاعات غير النفطية لا تعني بالضرورة أن الاقتصاد حقق قفزة جديدة في قدرته الإنتاجية، بل إن جزءًا من هذه الزيادة نتج عن انكماش القطاع النفطي.
وتكشف البيانات كذلك أن القطاع المالي والتأمين كان أكبر مساهم في الناتج المحلي، بحصة 19.7%، ونمو 8.6% خلال الربع الأول، بينما سجل قطاع التصنيع حصة 14.6%، والإدارة العامة 9%، والتشييد 7%.
حسن هيكل يعود لإثارة الجدل: "لا حل إلا المقايضة الكبرى".. واقتصاديون يحذرون
قنوات انتقال الأزمة إلى الاقتصاد
لم تتوقف التداعيات عند النفط وحده، ففي تقريرها عن البحرين، أوضحت "إس آند بي جلوبال" للتصنيفات الائتمانية، في مايو 2026 أن اضطرابات مضيق هرمز أثرت على صادرات النفط والألومنيوم، وأن إنتاج النفط الخام تعرض للخفض خلال مارس، مع توقع الوكالة بقاء متوسط الإنتاج عند نحو 130 ألف برميل يوميًا خلال 2026.
كما أشارت إلى تعرض شركة ألمنيوم البحرين "ألبا"، المنتجة للألومنيوم، لأضرار نتيجة الهجمات الإيرانية، بما يؤثر على مستويات إنتاجها، ويعد هذا التطور بالغ الأهمية، لأن الألومنيوم أحد أهم صادرات البحرين غير النفطية، وهكذا، لم تضرب الحرب فقط القطاع الذي يفترض أن الاقتصاد يحاول تقليل الاعتماد عليه، وإنما امتدت إلى أحد أعمدة التنويع الصناعي نفسه.
وتواجه السياحة والخدمات اللوجستية والطيران مخاطر من تراجع حركة السفر وارتفاع تكاليف التأمين والشحن وتغير مسارات التجارة، وفي تقرير التوقعات الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الصادر في أبريل 2026، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن توقف حركة الملاحة في مضيق هرمز واضطراب إنتاج الطاقة وحركة الطيران في الخليج ألحقت أضرارًا بالنشاط الاقتصادي، وأن خمس دول من أصل ثماني دول في مجموعة الاقتصادات المتأثرة، بينها البحرين، كانت مرشحة لتسجيل انكماش اقتصادي خلال العام.
البنك الدولي يتوقع قفزة الذهب إلى متوسط 4600 دولار للأوقية خلال 2026
الدين العام المؤشر الأخطر في الأزمة البحرينية
يمثل الدين العام المشكلة التي تجعل الصدمة أكثر تكلفة على الحكومة البحرينية، فبحسب مشاورات المادة الرابعة التي أقرها المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي في يناير 2026، ارتفع الدين الحكومي الإجمالي من 123% من الناتج المحلي في 2023 إلى 134% في 2024، وقدّر الصندوق وصوله إلى 145.1% في 2025 و149.7% في 2026، وفق تقديراته السابقة للحرب، كما ارتفع العجز الكلي للموازنة إلى 11% من الناتج المحلي في 2024، وقدّره الصندوق عند 11.5% في 2025.
الزئبق يتحول إلى ذهب.. هل تنتهي إمبراطورية المعدن الأصفر؟
خدمة الدين تلتهم الإيرادات
الأخطر من حجم الدين هو تكلفة تمويله، فوفق الحساب الختامي الموحد لعام 2025، بلغت فوائد الدين الحكومي البحريني نحو 1.052 مليار دينار بحريني، بزيادة 11% على مستواها الفعلي في 2024، وبمقارنة هذا المبلغ بإجمالي الإيرادات العامة البالغ 2.688 مليار دينار، نجد أن فوائد الدين وحدها تعادل نحو 39.1% من الإيرادات العامة الفعلية خلال العام.
بمعنى آخر، كل 100 دينار تحصل عليها الحكومة من الإيرادات العامة يقابلها نحو 39 دينارًا فوائد ديون، قبل احتساب بقية الالتزامات الحكومية.
وهذا يضيّق المساحة المتاحة للإنفاق على الخدمات والاستثمارات العامة، ويجعل الحكومة أكثر احتياجًا إلى الاقتراض أو زيادة الإيرادات أو خفض النفقات.
وتذهب تقديرات "فيتش" إلى أن الضغوط ستزداد، إذ نقل تقرير متخصص في أسواق الدين عن تقديرات الوكالة أن مدفوعات الفائدة قد تتجاوز 30% من إيرادات الحكومة بحلول 2027، مقارنة بمتوسط متوقع يبلغ 15.8% للدول ذات التصنيف الائتماني المماثل.
البنك الدولي يتوقع قفزة الذهب إلى متوسط 4600 دولار للأوقية خلال 2026
ثلاث إشارات تكشف تراجع الجدارة المالية
في 23 فبراير 2026، خفضت وكالة فيتش التصنيف الائتماني السيادي طويل الأجل للبحرين إلى B، مع نظرة مستقبلية مستقرة، وفي 17 أبريل 2026، غيرت وكالة موديز نظرتها المستقبلية للبحرين من مستقرة إلى سلبية، مع الإبقاء على التصنيف السيادي عند B2، وأشارت "موديز" إلى أن الدين الحكومي بلغ نحو 147% من الناتج المحلي في نهاية 2025.
وأبقت "إس آند بي جلوبال" في 22 مايو 2026، على تصنيف البحرين عند B/B، مع نظرة مستقبلية مستقرة، لكنها خفضت توقعاتها للنمو الحقيقي خلال 2026 إلى انكماش 3.3%، بعدما كانت تتوقع نموًا بنسبة 0.5%، كما توقعت الوكالة وصول العجز المالي إلى 8.4% من الناتج المحلي في 2026، مقابل 6.9% في تقديراتها السابقة، وتوقعت كذلك ارتفاع صافي الدين الحكومي العام إلى 150% من الناتج المحلي بحلول 2029، مقابل 127% في 2025، وفق تعريفها لصافي الدين العام.
أين توظف بنوك مصر أموال المودعين؟ القروض وأذون الخزانة ومعادلة الأرباح
هل تمتلك البحرين ما يكفي لحماية عملتها وسداد التزاماتها؟
تمثل الاحتياطيات الأجنبية أحد أهم عناصر اختبار قدرة البحرين على مواجهة الأزمة، خاصة أن الدينار البحريني مرتبط بالدولار الأمريكي، وبحسب صندوق النقد الدولي، ارتفعت الأصول الاحتياطية الرسمية إلى 6.3 مليار دولار بنهاية 2025، مقارنة بـ5.5 مليار دولار في 2024، لكنها ظلت تغطي نحو 2.4 شهر من الواردات غير النفطية المتوقعة وفق بيانات الصندوق.
ورغم التحسن في حجم الاحتياطيات، أوصى الصندوق بتعزيزها وتطوير أدوات إدارة السيولة، مع خفض الاعتماد على السحب الحكومي على المكشوف من المصرف المركزي.
وقد أشارت "إس آند بي" إلى أن الاحتياطيات الدولية الإجمالية بلغت نحو 6.5 مليار دولار في مارس 2026، بينما تواجه الحكومة استحقاقات بالعملات الأجنبية بمتوسط 2.5 مليار دولار سنويًا خلال الفترة من 2026 إلى 2028.
حسن هيكل يعود لإثارة الجدل: "لا حل إلا المقايضة الكبرى".. واقتصاديون يحذرون
هل الدعم الخليجي صمام أمان أم اعتماد متزايد على الخارج؟
في 8 أبريل 2026، أعلن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي ومصرف البحرين المركزي توقيع اتفاقية مبادلة عملات بقيمة 20 مليار درهم إماراتي، بما يعادل ملياري دينار بحريني، لمدة خمس سنوات، وتستهدف الاتفاقية تعزيز التعاون النقدي والمالي بين البلدين وتوسيع استخدام العملات المحلية في المعاملات وتعزيز الاستقرار المالي.
وتشير "إس آند بي" إلى أن استمرار الدعم من دول مجلس التعاون الخليجي أحد العوامل التي تساعد البحرين على الوفاء بالتزاماتها المالية، وهو ما يجعل الدعم الإقليمي عنصرًا مهمًا في حسابات الجدارة الائتمانية للمملكة.
التضخم يلتهم الرواتب.. كيف تعالج الأسر المصرية "عجز الدخل الشهري"؟
البحرين لا تزال قادرة على الاقتراض لكن بتكلفة مرتفعة
رغم الضغوط المالية وتراجع التصنيفات، لم تفقد البحرين إمكانية الوصول إلى أسواق الدين الدولية، ففي يونيو 2026، نجحت البحرين في إصدار سندات دولية بقيمة مليار دولار لأجل عشر سنوات، بعائد نهائي بلغ 7.125%، بعدما تجاوزت طلبات الاكتتاب 3.2 مليار دولار، وفق إعلان بنك البحرين الوطني.
ويعني عائد 7.125% أن البحرين اضطرت إلى قبول تكلفة تمويل مرتفعة نسبيًا مقابل الحصول على السيولة طويلة الأجل، في ظل الظروف الجيوسياسية والتصنيف الائتماني الحالي.
من يتحمل فاتورة تعثر الدول؟ محيي الدين يطرح قواعد جديدة لتوزيع خسائر الديون السيادية
ماذا تفعل الحكومة البحرينية لمواجهة الأزمة؟
في مواجهة الضغوط، بدأت البحرين في تبني إجراءات مالية تستهدف زيادة الإيرادات غير النفطية وتقليل الاختلالات في الموازنة.
ومن أبرز الإجراءات التي أشار إليها صندوق النقد الدولي: إدخال ضريبة دخل الشركات، وزيادة الإيرادات الضريبية وغير الضريبية، وإصلاح أسعار الطاقة والمرافق، وتقليص الدعم العام مع توجيهه إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وخفض الإنفاق خارج الموازنة وإدراجه ضمن الحسابات الحكومية، ووضع إطار متوسط الأجل للمالية العامة يستهدف إعادة الدين إلى مسار تنازلي.
كما أشار البنك الدولي إلى حزمة الإصلاح المالي التي وافق عليها مجلس الوزراء البحريني في ديسمبر 2025، والتي تستهدف زيادة الإيرادات بنحو 1.1% من الناتج المحلي بحلول نهاية 2026، وفق التقديرات الحكومية، وتشمل الإصلاحات مشروع ضريبة دخل الشركات بنسبة 10%، المقرر تطبيقه اعتبارًا من 2027 وفق ما أورده البنك الدولي.
هل يجب حماية تمويل الغذاء والوقود والدواء من إعادة هيكلة الديون؟ محيي الدين يطرح مقترحًا
هل تقترب البحرين من الإفلاس؟
تجتمع في الحالة البحرينية خمس مشكلات رئيسية، هي: الدين الحكومي المرتفع، الذي تتوقع مؤسسات دولية وصوله إلى مستويات تتجاوز 150% من الناتج المحلي خلال السنوات المقبلة، إضافة إلى العجز المالي الذي يتجاوز 10% من الناتج المحلي وفق تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد، وفوائد الدين التي تستهلك حصة كبيرة من الإيرادات الحكومية، والاحتياطيات الأجنبية المحدودة نسبيًا مقارنة بالاحتياجات التمويلية والاستحقاقات الخارجية، والاعتماد المتزايد على استمرار الوصول إلى أسواق الاقتراض والدعم المالي الخليجي.
ولا تزال البحرين تمتلك اقتصادًا غير نفطي نشطًا، وقطاعًا مصرفيًا يصفه صندوق النقد بأنه سليم ويتمتع برؤوس أموال جيدة، فضلًا عن استمرار قدرتها على إصدار السندات الدولية.
- وزير المالية: 72% من الناتج المحلي الإجمالي يأتي من الإيرادات غير النفطية
- وزير المالية: 72% من الناتج المحلي يأتي من الإيرادات غير النفطية
- 1.85 مليار دينار إصدارات «الدين العام» منذ بداية 2026 /2027.. وطلبات بـ 6 مليارات
- صندوق النقد: الدين العام العالمي يتجاوز 100% من الناتج المحلي بحلول 2029
- السعودية.. نمو الناتج المحلي في 2025 يؤكد استمرار نجاح برامج الإصلاح الاقتصادي






