هناك لحظات في حياة الإنسان يشعر فيها أنه لم يعد قادرًا على السيطرة على كل شيء. تتعدد الأسئلة، وتتداخل الاحتمالات، ويجد نفسه أمام أمور لا يستطيع تغييرها مهما حاول. وفي تلك اللحظات تحديدًا، يصبح الإنسان أمام اختيار صعب: إما أن يظل يحاول أن يحمل العالم كله فوق كتفيه، أو أن يتعلم أن يضع ما يعجز عن حمله في يد الله.
وفي وسط هذا المعنى تأتي كلمات المزمور الحادي والثلاثين على لسان داود: «فَدَيْتَنِي يَا رَبُّ إِلَهَ الْحَقِّ». كلمات خرجت من قلب إنسان مرّ بالضيق والخوف والاضطهاد، ومع ذلك لم تكن نهاية صلاته هي الخوف، بل الثقة. كان داود يعرف أن حياته ليست متروكة للظروف، وأن الله الذي يراه في الضيق هو نفسه القادر أن ينقذه منه.
والمثير في هذا المزمور أن داود لا يتحدث من مكان مريح؛ فهو يذكر ضيقه ودموعه وحزنه، ويتحدث عن أعدائه وعن شعوره بأن قوته قد ضعفت. ومع ذلك، وسط كل هذا، يعلن أن الله هو «إله الحق». وكأن الإنسان يستطيع أن يقول: قد تكون الظروف من حولي مضطربة، وقد لا أفهم ما يحدث، لكن هناك حقيقة واحدة لا تتغير: الله أمين.
نحن كثيرًا ما نربط شعورنا بالأمان بقدرتنا على التحكم في الأحداث. نريد أن نعرف ماذا سيحدث غدًا، ومن سيبقى، وما الذي سيتغير، وكيف ستنتهي المشكلة. وكلما فقدنا القدرة على معرفة الإجابة، ازداد خوفنا. لكن الإيمان لا يمنحنا دائمًا معرفة المستقبل، بل يمنحنا ثقة فيمن يعرف المستقبل. وهذا فرق كبير.
قد لا تعرف كيف ستنتهي المشكلة، لكنك تستطيع أن تثق في الله الذي يعرف نهايتها. قد لا تعرف لماذا تأخر أمر تتمناه، لكنك تستطيع أن تثق في أن الله يرى ما لا تراه. وقد لا تعرف لماذا أخذ الطريق اتجاهًا لم تخطط له، لكنك تستطيع أن تؤمن أن حياتك لم تخرج من يده.
ولهذا فإن قول داود: «فَدَيْتَنِي يَا رَبُّ» يحمل معنى أعمق من مجرد النجاة من خطر. إنه إعلان بأن الله هو صاحب الفضل في الإنقاذ، وأن الإنسان عندما يضع حياته بين يدي الله لا يفقد شيئًا، بل يجد نفسه في يد أقوى من كل ما يخيفه.
كم مرة مررنا بمواقف ظننا أننا لن نستطيع تجاوزها، ثم عبرناها؟ وكم مرة خفنا من الغد، ثم جاء الغد ومضى؟ وكم مرة اعتقدنا أن بابًا معينًا إذا أغلق فلن نجد غيره، ثم اكتشفنا بعد فترة أن الحياة كانت تحمل لنا أبوابًا لم نكن نراها؟
هذه التجارب لا تعني أن الطريق سيكون دائمًا سهلًا، لكنها تذكرنا بأن الخوف الذي نشعر به في لحظة معينة ليس بالضرورة صورة المستقبل. ولعل أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان هو ألا يجعل خوفه من المجهول أكبر من ثقته بالله.
أن يقول: يا رب، أنا لا أعرف ما الذي سيحدث، لكنك أنت تعرف. لا أعرف كيف ستُحل الأمور، لكنني أثق أنك قادر. لا أعرف لماذا سمحت بهذا، لكنني أؤمن أنك لم تتركني. وهنا تتحول الصلاة من محاولة لإقناع الله بأن يفعل ما نريد، إلى علاقة ثقة نسلم فيها له ما لا نستطيع السيطرة عليه.
وهذا لا يعني أن نستسلم للظروف أو نتوقف عن العمل والسعي. الثقة بالله لا تلغي مسؤوليتنا، لكنها تمنعنا من الاعتقاد بأن كل شيء متوقف على قدرتنا وحدنا. نفعل ما نستطيع، ونخطط، ونسعى، ونطلب، ثم نترك لله المساحة التي لا نستطيع أن نملأها.
فالإنسان يستطيع أن يبذل كل جهده، لكنه لا يستطيع أن يضمن النتائج. يستطيع أن يخطط للمستقبل، لكنه لا يستطيع أن يضمن الغد. يستطيع أن يحب، لكنه لا يستطيع أن يتحكم في قلوب الآخرين. يستطيع أن يسعى، لكنه لا يستطيع أن يفرض توقيت الأشياء. ومن هنا تأتي راحة التسليم.
أن تعرف أن حياتك ليست مشروعًا يجب عليك وحدك أن تضمن نجاحه، وأنك لست مطالبًا بأن تعرف كل الإجابات، وأن هناك إلهًا يرى الصورة كاملة بينما أنت لا ترى سوى جزء صغير منها. ولذلك، عندما تصل إلى مرحلة تشعر فيها أن الأمور أكبر من قدرتك، لا تعتبر ذلك دليلًا على أنك ضعيف. ربما تكون تلك اللحظة تحديدًا هي التي تتعلم فيها معنى الاتكال الحقيقي.
قل لله ما لا تستطيع أن تقوله لأحد، وضع أمامه خوفك وأسئلتك وخططك وأحلامك، ثم اترك له ما لا تستطيع حمله. فالله الذي كان حاضرًا مع داود في ضيقه، لم يكن إلهًا بعيدًا عن ألمه. ولذلك استطاع داود، رغم كل ما كان يمر به، أن يعلن ثقته ويقول: «فَدَيْتَنِي يَا رَبُّ إِلَهَ الْحَقِّ».
وما أجمل أن يصل الإنسان إلى هذه النقطة في حياته: أن يمر بالضيق دون أن يفقد ثقته، وأن يتألم دون أن يفقد رجاءه، وأن يجهل الغد دون أن يخاف منه، لأنه يعرف في يد من يوجد الغد. قد لا تستطيع أن تتحكم في كل ما يحدث لك، لكنك تستطيع أن تختار في يد من تضع حياتك.
وعندما تكون حياتك في يد الله، قد لا تعرف كل تفاصيل الطريق، لكنك تستطيع أن تسير فيه بقلب أكثر سلامًا، لأن الذي يقودك هو «إله الحق».
- سلام لشهباز شريف: ضرورة مواصلة الضغط لانسحاب إسرائيل الكامل ودعم بسط سلطة الدولة اللبنانية
- عون يُحذِّر من فراغ أمني في الجنوب وسلام يواصل حراكه الدولي في نيويورك
- «البترول» تنفي إقرار أسعار جديدة للوقود وتؤكد عدم انعقاد لجنة التسعير
- وزير الكهرباء: دعم مشروع الربط الكهربائي بين مصر وقبرص ومتابعة مجريات التنفيذ
- لجنة السياسة النقدية تُقرر الإبقاء على أسعار العائد الأساسية دون تغيير


















0 تعليق