في كرة القدم، ليست كل معركة تستحق أن تُخاض، ولا كل كلمة تستحق أن تُقال. وحين يتولى مدرب قيادة منتخب بحجم منتخب مصر، فإن مسؤوليته لا تتوقف عند التشكيل والتبديلات وإدارة المباراة، وإنما تمتد إلى إدارة النجوم، وحماية غرفة الملابس، وتهدئة الأجواء، والحفاظ على صورة المنتخب، وإبقاء الجميع حول هدف واحد اسمه مصر. ولهذا تصبح تصريحات المدير الفني جزءًا من مهمته، وليست مجرد كلام يقال وينتهي بانتهاء المؤتمر الصحفي.
كنا نتوقع بعد الفوز على جنوب السودان الأحدث والأضعف كرويًّا أن تكون الرسالة هي جمع الصف وإغلاق أبواب الجدل، خصوصًا بعد انتصار كبير بخماسية، وأن يخرج المدير الفني ليتحدث عن المنتخب باعتباره منظومة واحدة، لا أن تتجدد تصريحات تفتح أبوابًا للتأويل وتضع نجوم الفريق في دائرة النقاش، وبصفة خاصة محمد صلاح، أحد أبرز الأسماء في تاريخ الكرة المصرية.
المشكلة هنا ليست في أن يكون لحسام حسن رأي فني، ولا في أن يختار لاعبًا ويستبعد آخر. هذه صميم صلاحياته. وليس مطلوبًا منه أن يجامل نجمًا مهما كان اسمه. لكن المدير الفني لمنتخب مصر مطالب بأن يعرف أيضًا كيف يقول ما يريد، لأن كل كلمة منه تُقرأ باعتبارها موقفًا رسميًا، وكل إشارة إلى لاعب قد تتحول إلى قضية جماهيرية وإعلامية.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي. هل يحتاج المدير الفني لمنتخب مصر إلى هذا القدر من الاشتباك في تصريحاته؟ وهل القوة تعني أن يتعامل مع النجوم بمنطق إثبات السلطة؟ وهل من مصلحة المنتخب أن يشعر لاعب بحجم محمد صلاح بأن وجوده أو مكانته يمكن أن يصبحا موضوعًا للسجال؟
وهل من الحكمة أن تتحول أرقام تاريخية مثل لقب الهداف التاريخي للمنتخب إلى مساحة للمقارنة بين نجوم يفترض أنهم جميعًا يلعبون للقميص نفسه؟ ثم، قبل كل ذلك، ما الرصيد التدريبي والبطولي الذي يستند إليه المدير الفني عندما يتعامل بهذه الحدة مع أسماء كبيرة؟
وهنا نصل إلى نقطة لا يجوز تجاوزها: الإنجازات التدريبية. حسام حسن يمتلك تاريخًا استثنائيًا كلاعب، وهو أحد أبرز الهدافين في تاريخ الكرة المصرية، وصاحب حضور جماهيري لا يحتاج إلى إثبات. لكن تاريخ اللاعب شيء، وسجل المدرب شيء آخر. عندما يجلس المدير الفني على مقعد قيادة منتخب مصر، فإن المعيار لا يكون بما حققه وهو يرتدي القميص، وإنما بما أنجزه وهو يقود من خارج الخطوط.
وحسام حسن خاض تجارب تدريبية مع عدد من الأندية والمنتخبات، وترك بصمات متفاوتة من تجربة إلى أخرى، لكنه لم يصنع حتى الآن سجلًا تدريبيًا من البطولات الكبرى يوازي ضخامة المهمة التي يحملها مع المنتخب الوطني. وهذه ليست إدانة لشخصه، وإنما حقيقة تفرض قدرًا أكبر من التواضع المهني، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بإدارة نجوم أصحاب تجارب عالمية وإنجازات كبيرة.
فالمدرب لا يفقد هيبته عندما يحترم نجمًا كبيرًا، ولا يثبت قوته عندما يدخل معه في مواجهة. الهيبة الحقيقية تأتي من القرار العادل، والمعيار الواحد، والقدرة على إدارة غرفة الملابس، وتحويل اختلافات اللاعبين والمدربين إلى طاقة تخدم الفريق بدلًا من أن تتحول إلى صراع حول من يملك الكلمة الأخيرة.
ومحمد صلاح تحديدًا ليس لاعبًا عاديًا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد اسم في قائمة. إنه أسطورة كرة القدم المصرية والإفريقية والعالمية الذي بلغ ققمة الاحتراف العالمي، وأصبح اسمه جزءًا من صورة الكرة المصرية خارج حدودها. وهذا لا يعني أن له حصانة من القرار الفني، ولا أن عليه أن يكون أساسيًا في كل مباراة، لكنه يعني أن التعامل معه يحتاج إلى قدر من الحكمة يوازي حجم تجربته ومكانته.
والقاعدة نفسها تنطبق على جميع اللاعبين. فالمنتخب ليس ناديًا خاصًا بالمدير الفني، ولا غرفة مغلقة لإثبات من الأقوى. إنه مؤسسة وطنية تجمع لاعبين من أندية مختلفة، وتحتاج إلى علاقة متوازنة بين المدير الفني واللاعبين والأندية واتحاد الكرة والإعلام.
ومن هنا تأتي أهمية «صفر مشاكل». هذه السياسة لا تعني مدربًا ضعيفًا يخشى اللاعبين أو الإعلام أو الجمهور. معناها أن المدرب لا يصنع المشكلة بيده، ولا يحول كل اختلاف إلى معركة، ولا يرد على كل تعليق، ولا يسمح للخلاف الفني بأن يتحول إلى خلاف شخصي.
يمكن لحسام حسن أن يكون حازمًا من دون أن يكون صداميًا، وأن يحافظ على صلاحياته من دون أن يحولها إلى مواجهة مع النجوم، وأن ينتقد مستوى اللاعبين أو الدوري المصري من دون أن يضعف الثقة في المنظومة التي يأتي منها هؤلاء اللاعبون أنفسهم. فالمنتخب يحتاج إلى الأندية، والأندية تحتاج إلى المنتخب، واللاعب يحتاج إلى مدربه، والمدرب يحتاج إلى لاعبيه. لا أحد يعمل منفردًا.
أما الحديث عن الأرقام القياسية، فينبغي أن يظل في مكانه الطبيعي. إذا كان حسام حسن هو الهداف التاريخي للمنتخب، فهذا إنجاز محفوظ في تاريخ الكرة المصرية. وإذا اقترب محمد صلاح من رقمه، فهذا امتداد لذلك التاريخ وليس انتقاصًا منه. الأرقام لا تهدم أصحابها، وإنما تجعل أسماءهم أكثر حضورًا في ذاكرة اللعبة.
ولهذا لا ينبغي أن تتحول المنافسة على الأرقام إلى حساسية بين جيلين، ولا أن تصبح علاقة صلاح بحسام حسن محكومة بمثل هذه المقارنات. كلاهما جزء من تاريخ المنتخب، لكن القميص أكبر منهما معًا. وما يحتاجه حسام حسن الآن هو أن ينقل تجربته من الملعب إلى مقعد المدير الفني: أن يحتفظ بالشخصية والحماس والغيرة على المنتخب، لكنه يضيف إليها الهدوء والحكمة وحسن إدارة الاختلاف.
فالمدير الفني الكبير ليس من يرفع صوته أكثر، وإنما من يجعل صوته مسموعًا عندما يتكلم، ومن يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، ومتى يحسم ومتى يترك القرار الفني يتحدث عنه. نحن لا نطالبه بأن يجامل محمد صلاح، ولا أن يمنحه وضعًا خاصًا، ولا أن يتنازل عن أي صلاحية فنية. المطلوب فقط أن تكون المعايير واحدة، وأن تكون القرارات فنية، وأن يكون الخطاب على مستوى المنتخب الذي يقوده.
لقد فاز المنتخب على جنوب السودان بخماسية، وهذه فرصة لأن يكون الانتصار بداية لمرحلة أكثر هدوءًا وتركيزًا. المطلوب أن يصبح الحديث بعد المباريات عن أداء المنتخب، وخططه، وتطوره، وأهدافه، لا عن التصريحات التي قالها المدرب، ومن يقصد بها، ومن رد عليها.
مصر لا تحتاج إلى مدير فني ينتصر في المؤتمرات الصحفية. تحتاج إلى مدير فني ينتصر بالمنتخب. فالانتصار الحقيقي لا يبدأ من صافرة الحكم، وإنما من مؤسسة تعرف أن القميص أغلى من الأسماء، وأن المنتخب أكبر من المدرب واللاعب معًا، وأن قوة المدير الفني ليست في عدد المعارك التي يخوضها، وإنما في قدرته على منع المعارك غير الضرورية من الوصول إلى غرفة الملابس.
هذه هي المسؤولية التي تليق بحسام حسن.. وتليق بمنتخب مصر. بصراحة، أرى أن تصرفات حسام حسن غير المسؤولة، وما تتسم به أحيانًا من صبيانية في التعامل، أفقدته قدرًا كبيرًا من المصداقية لدى قطاعات من الشعب المصري، وأثارت تساؤلات جدية حول مدى ملاءمته لقيادة منتخب دولة بحجم مصر.
- نائب رئيس الاركان البريطاني يؤكد الالتزام بدعم جهود تعزيز الأمن والحفاظ على سيادة لبنان
- المطارنة الموارنة يندّدون بالاعتداءات الإسرائيلية داعين إلى ترجمة إنقاذية للمواقف الصادرة في الأمم المتحدة
- تفسير حلم السيف في المنام وعلاقته بالمال الكثير والرزق الوفير
- السويد تتعادل مع البوسنة 1-1 وتواصل صدارة المجموعة بدوري الأمم الأوروبية (فيديو)
- السيسي يفتتح اليوم منتدى "العلمين - أفريقيا" للأعمال ويترأس قمة الدول "أودا – نيباد"


















0 تعليق