قراءة نظامية في الزواج غير المأذون به

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قراءة نظامية في الزواج غير المأذون به, اليوم الخميس 1 يناير 2026 02:31 صباحاً


واجه عدد غير قليل من السعوديين والسعوديات واقعا أسريا معقدا، حين تم زواجهم من غير سعوديين أو غير سعوديات دون الحصول على الإذن النظامي المسبق. هذا النوع من الزواج قد يقع بحسن نية، أو بجهل بالإجراءات، أو تحت ضغط ظروف اجتماعية أو إنسانية، لكنه في جميع الأحوال يخلق إشكالا قانونيا لاحقا، لا يظهر أثره إلا عند الحاجة إلى إثبات الحقوق، كالمطالبة بالنفقة، أو إثبات النسب، أو إنهاء العلاقة، أو ترتيب آثار الإرث.

ولسنوات طويلة، كان هذا الواقع يضع أصحاب العلاقة أمام مأزق صعب: زواج قائم فعليا، لكنه غير موثق نظاما، والقضاء يتعامل بحذر مع الدعاوى المتعلقة به، خوفا من أن يتحول إثبات الزواج إلى وسيلة لتجاوز الأنظمة المنظمة للزواج من الأجانب. ومن هنا جاءت الترتيبات الخاصة بسماع الدعوى بإثبات عقد الزواج الذي أبرم دون إذن الجهة المختصة، لتقدم حلا عمليا يوازن بين احترام النظام وحماية الأسرة.

فهذا التنظيم لم ينشأ لإلغاء هذه الزيجات أو إنكارها، ولم يقصد به معاقبة السعوديين أو السعوديات الذين وقعوا في زواج غير نظامي، وإنما جاء لينظم طريق القضاء في التعامل معها. وقد بني على فكرة واضحة: التفرقة بين وقوع الزواج كواقع اجتماعي، وبين توثيق الزواج بصك قضائي.

فالمحكمة، عند نظر دعوى إثبات عقد الزواج من أجنبي أو أجنبية دون إذن، لا تبدأ من سؤال: هل كان الطرفان زوجين في الواقع؟ بل تبدأ من سؤال إجرائي محدد: هل هذه الدعوى مستوفية لشروط القبول التي تخول المحكمة إصدار صك إثبات رسمي؟ فإذا لم تستوف هذه الشروط، فإن المحكمة تحكم بعدم قبول الدعوى، دون أن تتعرض لموضوع العلاقة ذاتها.

وهنا يقع اللبس الشائع. فكثيرون يظنون أن الحكم بعدم قبول دعوى إثبات عقد الزواج يعني أن الزواج غير موجود أو أن الزوجة ليست زوجة. والحقيقة غير ذلك. فعدم القبول في هذا السياق لا يعني نفي وقوع الزواج ولا إبطال العلاقة، وإنما يعني أن المحكمة تمتنع عن توثيق العقد بصك قضائي لعدم استيفاء متطلبات القبول النظامية، مع بقاء العلاقة الواقعية وآثارها محل نظر وسماع فيما يتعلق بالحقوق.

ويظهر هذا المعنى بوضوح في أن التنظيم ذاته قرر أن عدم قبول دعوى إثبات عقد الزواج لا يمنع سماع الدعاوى المتعلقة بالحقوق الناشئة عن العلاقة، مثل النفقة، والنسب، والفرقة، والإرث. فهذه الدعاوى تسمع حماية للزوجة والأبناء ومن له مصلحة، دون أن يعد ذلك توثيقا للزواج المخالف. وفي المقابل، شدد التنظيم على أن الأحكام الصادرة في دعاوى الحقوق لا تعد حجة لإثبات عقد الزواج، حتى لا يستخدم القضاء طريقا غير مباشر لتجاوز اشتراط الإذن.

كما نظم دور الجهات المختصة في هذا المسار، فجعل لوزارة الداخلية السيادة في إجازة توثيق الزواج من عدمه، وعلى ضوء إفادتها تحال الدعوى إلى المحكمة للفصل فيها أو يحكم بعدم قبولها. وبهذا يكون التوثيق القضائي متسقا مع القرار الإداري، دون تعارض أو ازدواج.

ومن الناحية القانونية، فإن الحكم بعدم القبول يظل حكما شكليا إجرائيا، لا يحسم أصل الحق، ولا يمنع إعادة رفع الدعوى متى زال سبب عدم القبول، كصدور الإذن لاحقا أو استكمال الإجراءات المطلوبة. وهو بذلك لا يغلق باب القضاء، وإنما ينظم توقيت الدخول إليه.

خلاصة القول، إن هذا التنظيم جاء ليعالج واقع زواج السعوديين والسعوديات من أجانب دون إذن، معالجة متوازنة وعملية. فلا يفتح باب التوثيق بلا ضابط، ولا تترك الأسرة بلا حماية. فالتوثيق النظامي له طريقه، والحقوق الأسرية لها ضمانها، وبينهما رسم المنظم مسارا واضحا يحقق العدل دون الإخلال بالنظام.

expert_55@

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق