هذا هو المقال الرابع والأخير من موضوع: هل نستطيع أن نصنع دواءنا؟ ويأتي ذلك تحت عنوان «علاجات مرتبطة بالطبيعة»، هذه العلاجات جميعها مرتبطة بالطبيعة من حولنا، وذلك من مثل: الطبيعة.. دواء، فعليك بدءا أن تستمتع بها. وتنفس الهواء النقي.. دواء، فالهواء النقي يحسن الصحة، ويقي الإنسان من كثير من الأمراض، وضوء الشمس في الصباح الباكر.. دواء.
والعيش في بيئة صحية.. دواء. والتعامل مع الطبيعة.. دواء، ومن خلال استعراضنا لتلك العلاجات نجد أنها متاحة فيما حولنا، ولا تكلفنا أي شيء إلا تطبيقها على أنفسنا.
1 - الطبيعة.. دواء: إن الجلوس في الأماكن الطبيعية والاستمتاع بالمشاهد يزيد من القدرة على الانتباه، ويُحسن من وظائف الذاكرة، وقد بينت الدراسات أن الأشخاص الذين يتجولون في الطبيعة كانت ذاكرتهم أفضل من أولئك الذين يتجولون في المدن، كما أنهم يكونون أكثر إحساسا بنعم الحياة، وفي دراسة نشرتها مجلة الجمعية الأميركية للعلوم وجد أن 95% ممن تمت مقابلتهم قد تحسنت أمزجتهم بعد قضاء فترة من الوقت في الطبيعة، وأصبح إحساسهم بالهدوء والتوازن أكبر، وترتبط المشاهد الطبيعية بالمزاج الإيجابي، وهدوء النفس، والتغلب على الآلام. كما أن مشاهدة المناظر الطبيعية مثل: البحر، والأشجار، والنباتات وغيرها من المناظر الطبيعية من شأنه أن يشتت انشغال العقل عن الألم والانزعاج.
2 - ضوء الشمس.. دواء: تساعد أشعة الشمس على إنتاج فيتامين (D) الذي يعد عنصرا أساسيا لجسم الإنسان، فجسم الإنسان مثلا لا يستطيع أن يمتص الكالسيوم من دون وجود فيتامين (D)، وهو ضروري للحفاظ على صحة العظام، والرئة، والقلب، وتحسين المناعة، والأعصاب والعضلات وقد يؤدي نقص فيتامين (D) إلى ارتفاع ضغط الدم، والكساح، ويحتاج جسم الإنسان البالغ من (1000 - 2000 وحدة دولية من فيتامين (D) يوميا، وهذه الكمية يصنعها الجسم عند التعرض لأشعة الشمس في مدة تتراوح ما بين 15 و20 دقيقة من مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيا، وللتعرض لأشعة الشمس دور في منع الأمراض العصبية مثل: الزهايمر، وباركنسون، ومرض التصلب المتعدد، والنوبات العصبية، وضعف الإدراك، كما تساعد أشعة الشمس في الحفاظ على الصحة النفسية عن طريق تقليل نسبة الإصابة بالاكتئاب، والاضطراب العاطفي.
3 - تنفس الهواء النقي.. دواء: غاز الأوكسجين من أهم الغازات لحياة الإنسان، فهو ضروري للتنفس، وبطبيعة الحال فإنه عند عملية التنفس يتم استنشاق كميات أخرى من الغازات إضافة إلى جزيئات ودقائق محمولة في الهواء، وكلما كان الهواء نقيا زادت نسبة الأوكسجين فيه، ويحتاج الإنسان إلى نحو 100 جالون (388 لترا) من الأوكسجين النقي يوميا، وذلك حسب ظروف الشخص إذا كان في وضع الراحة، أو العمل، أو مزاولة الرياضة، ويتنفس الإنسان ذلك الأوكسجين 16 مرة في الدقيقة، وهو يعادل 23000 عملية تنفس خلال 24 ساعة، ولو حسبنا كمية الأوكسجين النقي، وكمية الأوكسجين التي يحتاج إليها سكان العالم البالغ عددهم نحو 8 مليارات نسمة، لوجدنا أنه رقم هائل، والمشكلة التي يواجهها البشر هي تلوث الهواء، بسبب انتشار الملوثات، نتيجة انتشار المصانع، ومحطات الطاقة، ووسائل النقل، إضافة إلى قيام الإنسان بقطع الأشجار، وإزالة الغابات التي لها دور مهم في إنتاج الأوكسجين، وامتصاص ثاني أكسيد الكربون.
وقد أشارت تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أنه في عام 2016م بلغ عدد الأطفال الذين ماتوا، بسبب إصابات حادة في الجهاز التنفسي ناجمة عن تنفس هواء ملوث حوالي 600.000 طفل. إن الحصول على الهواء النقي الذي من حقنا أن نستنشقه يتطلب كثيرا من الجهد، ولكن بتكاتف دول العالم أجمع عن طريق إعادة تخضير الأرض، والتحول إلى الوقود النظيف، واستخدام وسائل نقل لا تسبب التلوث سنصل إلى استنشاق هواء نقي عن طريقه يتعزز أداء الرئتين، وإلى دعم الجهاز المناعي، وتحسين صحة القلب، ورفع هرمون السعادة السيروتونين).
4 - ضوء الشمس في الصباح الباكر.. دواء: أثبت كثير من العلماء أن التبكير في الاستيقاظ من النوم والتعرض لضوء الشمس يمد الجسم بما يحتاج إليه من فيتامين (D)، وهو الفيتامين الأكثر فائدة لجسم الإنسان، كما أن الأشعة فوق البنفسجية الموجودة في ضوء الشمس تساعد على تدفق الدم، وخفض مستويات السكر، وتعزز معدلات التنفس، وعند التعرض لأشعة الشمس فإن مستوى هرمون السيروتونين (Serotonin) يرتفع، ويعرف هذا الهرمون بهرمون السعادة.
وهذا الهرمون يعد واحدا من أهم النواقل العصبية الكيميائية التي تستخدمها خلايا الدماغ للتواصل بينها، كما أن أشعة الشمس تحد من ارتفاع نسبة هرمون الكورتيزول (Cortisol) الذي تفرزه قشرة الغدة الكظرية، وهو يفرز، نتيجة الاستجابة للإجهاد، وهناك فوائد صحية كثيرة من الممكن أن نحصل عليها عند تعرضنا لأشعة الشمس، بشرط أن تكون مدة التعرض مقننة، لذلك علينا أن نستغل ضوء الشمس الباكر لننعم أولا: بمنظر الصباح الجميل، وثانيا: بالحصول على الفوائد الصحية المختلفة. ومن المفترض أن نختار الوقت المناسب للتعرض لأشعة الشمس، وهو الصباح الباكر، وكذلك المدة المناسبة، وهذا يجنبنا كثيرا من الأخطار والمضاعفات من مثل: الأمراض الجلدية.
5 - العيش في بيئة صحية.. دواء: يحق لكل مواطن في جميع دول العالم أن يعيش في بيئة صحية، لذلك قامت دول كثيرة بسن تشريعات وقوانين واتفاقيات دولية، لتؤكد أهمية توفير البيئة الصحية لمواطنيها، ومع ذلك فإن منظمة الصحة العالمية تقدر أن نحو 23% من الوفيات في العالم يكون سبب وفاتهم مرتبطا بمخاطر بيئية مختلفة مثل: تلوث الهواء، والمياه. وقد تأكد أن نحو تسعة من كل عشرة أشخاص يتنفسون هواء غير نظيف، ما يضر بصحتهم ويقصر من عمرهم، لذلك من المهم أن تكون البيئة المحيطة بنا صالحة للعيش، وعليه نجد أنه من المهم حماية تلك البيئة وتهيئتها للعيش الصحي عن طريق الحد من التلوث، ومعالجة التلوث الحالي، وقد أشار عدد من الأبحاث الطبية إلى أن تلوث البيئة كان له تأثيرات سيئة في صحة الإنسان، ومن هذه التأثيرات:
- زيادة معدلات الإصابة بالربو، والحساسية الصدرية.
- زيادة الأمراض القلبية.
- زيادة أنواع السرطانات.
قد تتعرض بعض النساء إلى العقم، نتيجة استنشاقهن بعض المواد الكيميائية الملوثة للبيئة.
وقد وجد أن تلوث النباتات بمياه الصرف الصحي أدى إلى تعريض 1.8 مليار شخص لخطر الإصابة بأمراض عديدة منها: الكوليرا، والتيفود.
قيل قديما: «لا تقتل البيئة فتقتلك»، لذلك فإن الحفاظ على البيئة والحرص على توازنها من الضرورة بمكان للعيش بسلام وصحة.
6 - التفاعل مع الطبيعة.. دواء: هناك صلة قوية بين الإنسان والطبيعة، وتعود هذه الصلة إلى العلاقة بصحته وسعادته، وقد أجرت جامعة ديربي في المملكة المتحدة دراسة تهدف لمعرفة الأثر الذي خلفه العيش في البرية، وشارك في هذه الدراسة 18500 مشارك، وقد كشفت الدراسة عن تحسن كبير في صحة جميع المشاركين، وزاد إحساسهم بالسعادة، كما زاد إحساسهم بالود فيما بينهم، واستمر هذا الشعور شهورا طويلة حتى بعد انتهاء الدراسة. وأكدت الدراسة نفسها أن هناك أدلة تؤكد أن التفاعل مع الطبيعة يمكن أن يقلل ضغط الدم المرتفع، ويخفف متاعب الجهاز التنفسي، وأمراض القلب والأوعية الدموية، ويحسن من الحالة المزاجية للفرد، وتحسين بعض جوانب الصحة النفسية من مثل: تخفيف الشعور بالقلق، واستعادة القدرة على التركيز والانتباه.
وقد يعتقد كثير من الناس أن العيش مع الطبيعة يعني: الريف فقط، بل يتعدى ذلك، فالجلوس أمام البحر والتمتع بما تراه العين من مراقبة الأمواج والطيور وهي تحلق، أو مشاهدة شروق الشمس وغروبها يعد كل ذلك من الأشياء المبهجة التي تدخل الراحة والسكينة إلى النفس، لذلك يجب أن يكون الاستمتاع بالطبيعة جزءا من حياتنا.
علينا أن ندرك أن الطبيعة تمثل أعظم صيدلية - أمام الإنسان. إن مجرد الجلوس وسط المناظر الطبيعية، سواء أكانت حقولا خضراء أو شواطئ، فإن ذلك له تأثير عميق على صحة الجسم والنفس.
فالنظر إلى المناظر الطبيعية الهادئة له تأثير عميق على صحة الجسم والنفس والجهاز العصبي، حيث يخفض ضغط الدم ويقلل من مستويات التوتر، وقد أثبتت كثير من الدراسات ذلك. الشمس إذا تم التعرض لأشعتها في الصباح الباكر ما هي إلا دواء مجاني يمنحنا فيتامين (D) الذي يدعم المناعة، والقوى العظام ويحسن المزاج، كما أن الهواء النقي ينقي الرئتين ويجدد خلايا الجسم.
إن العيش في بيئة صحية طبيعية لا يعد ذلك رفاهية، بل هو علاج وقائي، فالإنسان الذي يستمتع بالطبيعة ويعيشها يمنح جسمه فرصة للتوازن والشفاء الذاتي، لذلك فإن قدرتنا على صنع دوائنا تبدأ أولا بإعادة بناء علاقتنا مع الطبيعة، لأن الطبيعة ما هي إلا شريك أساسي في صحتنا.
فــــي ختـــام هذه الرحــلة، وللإجابة عن السؤال المصيري: هــل نستطيع أن نصنع دواءنا؟ «نجد أن الإجابة تأخذنا إلى مسار أبعد بكثير من المختبرات الكيميائية ومصانع العقاقير. ولقد تكلمنا عن علاجات مرتبطة بالطبيعة، وليــس المقصود بها طبيعة النبات والأعشـــاب فحسب، بل المقصود بها طبيــعة الإنسان الفطرية، وطبيعة العــلاقات الدافئة والتفكير الإيجابي والـحـــب غير المشروط. إن الـعــودة إلى هـــذه الطبـــيعة الفطرية لـيــس مجرد رفاهية نفســية، بـــل هي العودة إلى الصيدلية البيولوجية التي أودعها اللــه - سبحان وتعالى - في جسد كـــل إنسان، والتي تمتلك القدرة على تـــرميم الذات وشفائها من الداخل.
بدأ العلم الحديث يثبت أن مشاعرنا وطريقة تفكيرنا وعلاقتنا بالآخرين تترجم في أجسامنا إلى مركبات كيميائية ملموسة، فالأصدقاء الأوفياء والحب غير المشروط يحفزان هرمون الأوكسيتوسين الذي له دور أساسي في تعزير مشاعر الترابط والحب والثقة، وكذلك هرمون الإندورفين، وله دور في تسكين الألم الطبيعي، ويعزز الشعور بالراحة والسعادة، أما التفكير الإيجابي فيثبط هرمونات التوتر مثل هرمون الكورتيزول الذي ينهك جهاز المناعة، لذلك عندما نسأل هل نستطيع أن نصنع دواءنا؟ تكون إجابتنا نعم نستطيع تصنيعه يوميا عبر ممارستنا للامتنان والتفاؤل، وبناء شبكات الأمان الاجتماعي التي تمنحنا الترابط الذي يحمينا من تقلبات الحياة.
يقول روبرت واليدنجر (1951م) وهو مدير دراسة تقوم جامعة هارفارد لتطور البالغين: إن الرسالة الأوضح التي حصلنا عليها من هذه الدراسة هي: «أن العلاقات الجيدة والروابط الاجتماعية الدافئة تبقينا أكثر سعادة وأكثر صحة، كما أن العيش في وسط من العلاقات القوية والمحبة يحمي أجسامنا وأدمغتنا من الشيخوخة والمرض». وهذا تأكيد علمي يوضح أن الآخرين الذين نعيش معهم والحب غير المشروط هما مصل واق ننتجه بأنفسنا. وتتجلى أيضا قوة التفكير والسلوك الإيجابي في صناعة الدواء الداخلي في أبحاث عالم الأعصاب الشهير جوهان هاري (1979م) الذي ركز في دراسته على الجذور النفسية والاجتماعية للمرض، وذكر أن: «مضادات الاكتتاب الحقيقية والشفاء المستدام لا يأتيان من تعديل كيمياء الدماغ بالحبوب، بل من إعادة الاتصال بالطبيعة الإنسانية والاتصال بالآخرين، وتبني قيم العطاء، وتغيير السلوك نحو الإيجابية.. هذا هو الدواء الذي صممته لنا الطبيعة».
إننا من خلال الرؤية العلمية ندرك أن العلاج يبدأ من داخل الإنسان نفسه. إن قدرتنا على صنع دوائنا تعني أن نتحول منه مستهلكين سلبيين للمركبات الكيميائية إلى صناع فاعلين لبيئتنا النفسية والجسمية. ونكون على ثقة بأن مجتمعنا يتنفس الحب غير المشروط ويمارس أفراده السلوك الإيجابي، ويدعم الصديق صديقه ونكون أصدقاء لبيئتنا ونصبح بذلك مجتمعا يصنع دواء حقيقيا ضد الأمراض النفسية والجسدية على حد سواء.
وفي النهاية.. إن دواءنا الحقيقي ليس دائما في زجاجة تشترى من الصيدلية. بل هو كامن في تفاصيل فطرتنا السليمة.. إن الإيمان بقوة العقل، والقلب والروابط الإنسانية هو الخطوة الأولى والأساسية للإجابة بنعم: نحن نصنع دواءنا، وذلك عندما ننظـر إلى الحياة بعين التفاؤل والرضا.
بقلم: الأمين العام للمركز العربي
لتأليف وترجمة العلوم الصحية
أ.د.مرزوق يوسف الغنيم


















0 تعليق