موريتانيا تعرض مخاوفها إزاء معضلة اللاجئين المتجمعين على أراضيها وتؤكد أن حسن ضيافتهم لا يمكن أن يحل محل التضامن الدولي الفعال

منذ 13 دقيقة

عبد الله مولود

نواكشوط – «القدس العربي»: في الذكرى الخامسة والسبعين لاتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، اختارت موريتانيا أن تطرح أمام المجتمع الدولي سؤالاً يتجاوز الاحتفاء بإرث الاتفاقية إلى اختبار قدرتها على الاستمرار في تحمل أعباء اللجوء الإقليمي.
ففي نيويورك، قال وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والموريتانيين في الخارج محمد سالم ولد مرزوك، إن بلاده تعيش يومياً مسؤولية استضافة مئات الآلاف من اللاجئين وطالبي اللجوء، مؤكداً أن «حسن الضيافة، مهما كان سخياً، لا يمكن أن يحل محل تضامن دولي فعال».
وجاءت الرسالة الموريتانية في وقت تتواصل فيه تدفقات الفارين من الحرب وعدم الاستقرار في مالي نحو الأراضي الموريتانية، ولا سيما منطقة الحوض الشرقي، فيما تتزايد الضغوط على الموارد والخدمات الأساسية للمجتمعات المحلية المضيفة، بالتزامن مع تراجع التمويلات الإنسانية الدولية.
وقال ولد مرزوك، خلال فعالية رفيعة المستوى في نيويورك مخصصة لإحياء الذكرى الـ75 للاتفاقية، إن موريتانيا، بوصفها دولة مضيفة وراعية مشاركة للفعالية، ترى في المناسبة فرصة لتجديد الالتزام الدولي بتحويل مبادئ حماية اللاجئين إلى إجراءات ملموسة، داعياً إلى تقاسم أكثر عدلاً للمسؤوليات، وتمويلات يمكن التنبؤ بها، وربط الاستجابة الإنسانية بالتنمية والسلام.
وتكتسب الدعوة أهمية خاصة بالنسبة لموريتانيا، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أبرز دول اللجوء في منطقة الساحل.
ووفق أحدث بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تستضيف البلاد أكثر من 305 آلاف لاجئ وطالب لجوء، غالبيتهم الساحقة من مالي، مع استمرار وصول لاجئين جدد خلال عام 2026.
يشكلون 5% من السكان
وتشير بيانات المفوضية إلى أن اللاجئين يشكلون أكثر من 5% من سكان موريتانيا، فيما تصل نسبتهم إلى نحو 35% من سكان ولاية الحوض الشرقي.
وتتركز الكتلة الأكبر في مخيم «امبره» الشهير ومحيطه، حيث أصبح المخيم الذي أنشئ في الأصل لاستقبال نحو 70 ألف شخص يضم أكثر من 120 ألف لاجئ مالي، بينما يعيش عشرات الآلاف الآخرون خارج المخيم في عشرات القرى والتجمعات المضيفة.
وتؤكد المفوضية أن 82% من اللاجئين في البلاد هم من النساء والأطفال، ما يضاعف الاحتياجات المرتبطة بالحماية والصحة والتعليم والغذاء والمأوى.
ولا تبدو هذه الأزمة في طريقها إلى الانحسار، فقد أدت موجة جديدة من العنف في شمال ووسط مالي منذ أواخر 2025 إلى حركة نزوح إضافية نحو موريتانيا. وبحسب المفوضية، تم تحديد نحو 14,402 لاجئ جديد في ولاية الحوض الشرقي منذ بدء موجة التدفق الحالية في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وحتى 21 مايو/أيار 2026، مع بقاء خطر موجات جديدة قائماً بسبب تدهور الوضع الأمني على الجانب المالي.
وتكشف التطورات الأمنية الأخيرة في مالي عن صعوبة الفصل بين ملف اللجوء والوضع الأمني في منطقة الساحل.
فقد عرف شهر سبتمبر/أيلول الجاري تصعيداً جديداً في هجمات الجماعات المسلحة، من بينها هجوم دموي على موقع عسكري في ديورا وسط مالي، في مؤشر على استمرار هشاشة الوضع الأمني الذي يدفع السكان المدنيين إلى البحث عن مناطق أكثر أمناً.
وتواجه موريتانيا بذلك معادلة مركبة: فهي تحاول الحفاظ على سياسة استقبال اللاجئين ودمجهم تدريجياً في الخدمات الوطنية، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بتوسيع الخدمات في مناطق فقيرة وهشة أصلاً.
ويعيش معظم اللاجئين في الحوض الشرقي، وهي منطقة تواجه تحديات متراكمة تتعلق بشح الموارد والمياه، وتداعيات الجفاف والفيضانات، وضعف البنية التحتية، وهشاشة سبل العيش.
وتشير المفوضية الأوروبية إلى أن وجود أكثر من 400 ألف لاجئ مالي، بحسب تقديرات السلطات الموريتانية في بداية 2026، يضع ضغوطاً كبيرة على الخدمات الأساسية والموارد المحدودة، وأن نحو 300 ألف لاجئ يعيشون خارج مخيم امبره في المجتمعات المحلية، بما يعادل نحو ثلث سكان الحوض الشرقي، وفق هذه التقديرات.
خطة طوارئ
ولم تعد نواكشوط تتحدث عن الاستجابة الإنسانية الطارئة فقط، بل تسعى إلى تغيير طبيعة المقاربة، فقد أطلقت السلطات خطة طوارئ متعددة القطاعات لعام 2026 تقوم على ثلاثة محاور: الاستجابة السريعة لأي تدفقات جديدة، وتعزيز قدرة اللاجئين والمجتمعات المضيفة على الصمود، ودمج التدخلات الإنسانية في خطط التنمية الوطنية.
وكانت خطة 2025 قد استهدفت أكثر من 471 ألف شخص من اللاجئين والعائدين والسكان المضيفين، باحتياجات مالية قدرت بنحو 152.2 مليون دولار.
لكن المشكلة الأساسية تظل في التمويل؛ فقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن خطة الاستجابة والصمود للاجئين، التي بلغت كلفتها الإجمالية 152 مليون دولار لعام 2025، واجهت فجوة تمويلية تقدر بنحو 60%، في وقت تتراجع فيه المساعدات الإنمائية والإنسانية الدولية؛ كما حذر من أن تدفق اللاجئين يضيف ضغوطاً على الموارد العامة والخدمات المحدودة في موريتانيا.
وتأتي هذه الفجوة في سياق أوسع من الضغوط التي تواجهها المنظومة الإنسانية الدولية؛ فالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين نفسها تواجه أزمة تمويل عالمية، بينما تتزايد احتياجات النزوح في منطقة الساحل.
وتقدر المفوضية أن منطقة الساحل الموسعة قد تستضيف بنهاية 2026 نحو 5.6 مليون شخص من النازحين قسراً وعديمي الجنسية، مقارنة بنحو أربعة ملايين في سبتمبر/أيلول 2025.
أما لموريتانيا، فيعني ذلك أن الحل لا يمكن أن يقوم على توسيع المساعدات الغذائية أو الصحية وحدها، فالحكومة تدفع باتجاه تحويل مخيم امبره من تجمع طارئ إلى فضاء أكثر دواما، وإدماج اللاجئين في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية وسبل العيش، بالتوازي مع الاستثمار في المجتمعات المضيفة.
وقد بدأت بعض الجهات الدولية في تبني هذه المقاربة، فقد خصص الاتحاد الأوروبي مبدئياً 4.8 مليون يورو من المساعدات الإنسانية لموريتانيا في 2026، تشمل حماية اللاجئين، والمساعدات الغذائية والنقدية، والمياه والصرف الصحي، والمأوى، والتسجيل والخدمات القانونية والنفسية، إلى جانب تعزيز قدرات الاستجابة المحلية.
غير أن حجم الدعم لا يزال موضع اختبار أمام حجم الأزمة؛ فموريتانيا التي تقع على الطرف الغربي من إحدى أكثر مناطق العالم اضطراباً، لا تستقبل فقط نتائج الأزمات في مالي، وإنما تتحمل جزءاً من كلفتها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، فيما لا تملك منفردة القدرة على معالجة الأسباب التي تنتج موجات النزوح.
رسالة سياسية وإنسانية
ومن هنا جاءت كلمة وزير الخارجية الموريتاني في نيويورك بوصفها رسالة سياسية وإنسانية في آن واحد: موريتانيا مستعدة لمواصلة استضافة اللاجئين، لكنها تريد أن يتحول مبدأ «تقاسم المسؤولية» من شعار قانوني إلى آلية عملية للتمويل والدعم والتنمية.
فبعد 75 عاماً على اتفاقية اللاجئين، لم يعد التحدي لدولة مثل موريتانيا هو الالتزام بمبدأ اللجوء وحده، وإنما كيفية تمويل هذا الالتزام في منطقة تتسع فيها الأزمات أسرع من قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة لها.
ويبدو أن السؤال الذي تطرحه نواكشوط في هذه الذكرى هو، في جوهره، من يتحمل كلفة بقاء أبواب اللجوء مفتوحة عندما تصبح الأزمة عابرة للحدود، بينما تتراجع الموارد المخصصة لمعالجتها؟
ويعطي هذا السؤال ملف اللاجئين في موريتانيا بعداً يتجاوز حدود مخيم امبره والحوض الشرقي، ليضع البلاد في قلب نقاش دولي أوسع حول مستقبل نظام الحماية الدولية، وتقاسم أعباء النزوح، والحد الفاصل بين المسؤولية الإنسانية للدول المضيفة والمسؤولية الجماعية للمجتمع الدولي.

فريق تحرير الاستاد نيوز

فريق التحرير في الاستاد نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق