المنفي يطلق لجنة للتهدئة ويتمسك بالملكية الوطنية للحل السياسي في ليبيا

منذ 13 دقيقة

نسرين سليمان

طرابلس – «القدس العربي»: طرح رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، رؤية جديدة لمسار الحل السياسي في البلاد، معلناً إطلاق العمل على لجنة وطنية للتهدئة وبناء الثقة، بالتوازي مع تحديد مجموعة من المبادئ التي قال إن أي تسوية سياسية قابلة للاستمرار ينبغي أن تلتزم بها، وفي مقدمتها احترام المرجعيات القانونية والملكية الوطنية للعملية السياسية، ورفض فرض النتائج بقوة الأمر الواقع.
وجاءت مواقف المنفي خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في وقت تشهد فيه ليبيا حراكاً سياسياً متزايداً بشأن مستقبل المرحلة الانتقالية، بالتزامن مع محاولات تنفيذ تفاهمات لجنة «4+4» ودفع المسار الذي تقوده بعثة الأمم المتحدة نحو توحيد المؤسسات والوصول إلى انتخابات وطنية.
وقال المنفي إن ليبيا دفعت ثمناً باهظاً عندما تحولت التوازنات الإقليمية والدولية إلى توازنات داخل أراضيها، معتبراً أن الحليف الحقيقي لليبيا هو من يدعم قيام دولة قوية ومستقرة وموحدة، وليس من ترتبط مصالحه باستمرار الانقسام أو بمحاولة التعامل مع الطرف الأقوى داخل البلاد.
وشدد على أن ليبيا لم تعد بحاجة إلى مزيد من إدارة الأزمة، بل إلى إرادة حقيقية لإنهائها، داعياً الدول إلى التنافس داخل ليبيا في مجالات الاستثمار والإعمار والطاقة والتقنية والتنمية، بدلاً من التنافس على النفوذ داخل مؤسسات الدولة أو دعم مراكز القوى المختلفة.
وفي الشق الداخلي من خطابه، وضع المنفي أربعة مبادئ قال إنها يجب أن تحكم أي مسار سياسي مقبل، في مقدمتها احترام الشرعية والمرجعيات الدستورية والقانونية النافذة، وعدم استحداث ترتيبات جديدة خارج الأطر المعتمدة.
وحذر من أن تجاهل المرجعيات الوطنية أو تجاوزها يمكن أن يجعل أي تفاهمات سياسية عرضة للطعن والنزاع، بما يؤدي في النهاية إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل حالة الانقسام التي تعيشها المؤسسات الليبية منذ سنوات، والخلاف المستمر بشأن الجهة المخولة بإعادة تشكيل السلطة التنفيذية أو إجراء التغييرات داخل المؤسسات السيادية، وهي ملفات ظلت سبباً رئيسياً في تعثر أكثر من مسار سياسي سابق.
كما شدد المنفي على مبدأ «الملكية الوطنية» للعملية السياسية، واصفاً إياه بأنه خط أحمر، وقال إن الوساطة الدولية يجب ألا تتحول إلى وصاية أو إلى عملية لإنتاج حلول جاهزة من الخارج.
وطالب بأن يكون الليبيون أصحاب القرار الأساسي في تحديد مستقبلهم السياسي، مع إشراك مختلف الأطراف وعدم الإقصاء، وضمان تكافؤ الفرص بينها، ورفض فرض نتائج سياسية مسبقة نتيجة النفوذ العسكري أو السياسي أو عبر سياسة الأمر الواقع.
وتأتي تصريحات المنفي في وقت تتواصل فيه التحركات المتعلقة باتفاق لجنة «4+4»، الذي جرى توقيعه في نهاية آب / أغسطس الماضي، ويشمل عدداً من التفاهمات المتعلقة بإعادة ترتيب المشهد السياسي والانتخابي.
وكانت أطراف ليبية ودولية قد رحبت بالاتفاق باعتباره خطوة يمكن البناء عليها لتحريك الجمود السياسي، في حين ظلت خلافات قائمة بشأن آليات تنفيذه ومدى قدرته على جمع مختلف الأطراف داخل عملية واحدة.
وفي هذا السياق، بدا خطاب المنفي حريصاً على التأكيد أن أي تفاهم سياسي جديد ينبغي ألا يتحول إلى صفقة مؤقتة بين أطراف محددة، وأن نجاحه يرتبط بقدرته على الحصول على غطاء قانوني ووطني أوسع.
وقال إن التجربة الليبية أثبتت أن «التسويات الهشة» والصفقات المؤقتة تتفكك بمجرد تغير موازين القوى أو تبدل الولاءات، معتبراً أن الشرعية والمشروعية المستدامتين لا تتحققان إلا من خلال إرادة الشعب والقانون.
ودعا إلى الالتزام بالشفافية في أي اتفاقات سياسية، مع تحديد مراحل التنفيذ ومددها والجهات المسؤولة عنها، ووضع آليات واضحة للرقابة والمساءلة، حتى لا تبقى التفاهمات السياسية مفتوحة دون سقف زمني أو أدوات ملزمة للتنفيذ.
وأكد أن الهدف النهائي للعملية السياسية يجب أن يكون إنتاج مؤسسات شرعية ومستقرة والعودة إلى الشعب عبر الاستفتاءات والانتخابات الحرة والنزيهة.
وفي خطوة موازية، أعلن المنفي إطلاق العمل على «لجنة وطنية للتهدئة وبناء الثقة»، موضحاً أنها ستستند إلى المبادرات الوطنية والمحلية، وتهدف إلى استباق النزاعات واحتواء التصعيد ومنع تجدده.
وقال إن اللجنة ستعمل كذلك على دعم المصالحة وتهيئة بيئة آمنة للعملية السياسية والانتخابية، داعياً مختلف الأطراف الليبية إلى الانخراط في هذا الإطار.
ويأتي الإعلان عن اللجنة في ظل استمرار هشاشة الوضع الأمني في عدد من المناطق الليبية، وظهور توترات مسلحة من حين إلى آخر، وهو ما يجعل ملف التهدئة أحد الشروط الأساسية لأي تقدم سياسي أو انتخابي.
وفي الوقت نفسه، دعا المنفي المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى متابعة تقارير الانتهاكات في ليبيا والتعامل بجدية مع التوصيات الأممية، مطالباً المجلس باتخاذ ما يلزم لضمان تنفيذ قراراته بصورة فعالة ومن دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.
وتكشف مجمل مواقف المنفي عن محاولة لتثبيت دور المجلس الرئاسي داخل المرحلة السياسية المقبلة، عبر الجمع بين ملف التهدئة والمصالحة وبين التشديد على المرجعيات القانونية والسيادة الوطنية.
وبينما تستمر التحركات لتنفيذ اتفاق «4+4» وتفعيل خريطة الطريق الأممية، يبقى التحدي الرئيسي في قدرة الأطراف الليبية على تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات تنفيذية، ومنع الخلاف بشأن السلطة والمؤسسات من فتح جولة جديدة من الصراع تعيد البلاد مرة أخرى إلى نقطة البداية.

فريق تحرير الاستاد نيوز

فريق التحرير في الاستاد نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق