واشنطن وطهران: حرب الاستنزاف ومعركة شروط التسوية

منذ 38 دقيقة

تدخل الحرب الأمريكية-الإيرانية مرحلة شديدة التعقيد، لا لأن أيًا من طرفيها يفتقر إلى أدوات الضغط العسكرية والاقتصادية، وإنما لأن الولايات المتحدة وإيران تخوضان الحرب وفق استراتيجيتين مختلفتين في أهدافهما وفي تعريفهما للوقت وفي تصور كل منهما لشروط إنهاء المواجهة. ومن خلال متابعة المواقف الأمريكية والإيرانية خلال الأسابيع الأخيرة، وكذلك المداخلات والنقاشات التي شهدها برنامج «نقاش الساعة»، يبدو واضحًا أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية حول البرنامج النووي الإيراني، بل تحولت إلى صراع أوسع على ترتيبات القوة والأمن في الخليج والشرق الأوسط، وعلى حرية الملاحة في مضيق هرمز، وعلى قدرة كل طرف على فرض شروطه على الطرف الآخر.
الاستراتيجية الأمريكية تقوم، في جوهرها، على الجمع بين القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والعقوبات والحصار البحري، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا ولكن من موقع قوة. واشنطن لا تبدو مستعدة للعودة إلى تفاوض يقوم على تجزئة الملفات أو على اتفاقات مؤقتة لا تعالج ما تعتبره جوهر المشكلة الإيرانية. ولذلك تضع البرنامج النووي في قلب أي تسوية محتملة، وتربط به قضايا أخرى تتصل بالأمن الإقليمي والسلوك الإيراني. وفي الوقت نفسه، تستخدم العقوبات والحصار الاقتصادي للضغط على الاقتصاد الإيراني، على أمل أن يؤدي تراكم الكلفة الاقتصادية إلى دفع طهران إلى تقديم تنازلات أوسع.
وقد ظهر هذا المنطق بوضوح في رفض الرئيس دونالد ترامب في 26 سبتمبر/أيلول المقترح الإيراني الذي كان يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام، مقابل وقف القتال ورفع الحصار البحري وبعض العقوبات والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة ثم استئناف المفاوضات النووية. وكان الرفض الأمريكي تعبيرًا عن اعتقاد بأن الضغوط المفروضة على إيران بدأت تؤتي أثرها وأن تقديم تنازلات في هذه المرحلة قد يحرم واشنطن من أوراق الضغط التي راكمتها خلال الحرب.
لكن المشكلة في هذه الاستراتيجية أن القوة العسكرية والاقتصادية لا تتحول تلقائيًا إلى قدرة على إنتاج تسوية سياسية. فالولايات المتحدة تستطيع إلحاق أضرار كبيرة بإيران، واستهداف بنيتها العسكرية والاقتصادية، ورفع تكلفة استمرار الحرب، لكنها تواجه السؤال الأصعب: كيف تنتقل من إلحاق الضرر إلى صياغة نظام إقليمي جديد أكثر استقرارًا؟ فالحرب يمكن أن تدمر قدرات عسكرية، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة أسباب انعدام الأمن الإقليمي، ولا يمكن للقوة الجوية والبحرية أن تنتج تفاهمًا مستقرًا حول مستقبل الخليج والعلاقة بين إيران وجيرانها العرب.
في المقابل، تقوم الاستراتيجية الإيرانية على منع الولايات المتحدة من تحويل التفوق العسكري إلى انتصار سياسي. وطهران تدرك أنها لا تستطيع مجاراة الولايات المتحدة في حرب تقليدية مفتوحة، ولذلك تسعى إلى توزيع كلفة الحرب على مجالات متعددة، وإلى استخدام قدراتها الصاروخية والبحرية وأدواتها الإقليمية، وإلى جعل استمرار الحرب مكلفًا ليس فقط لإيران وإنما أيضًا للولايات المتحدة وحلفائها والاقتصاد العالمي. ومن هنا تأتي أهمية مضيق هرمز في الحسابات الإيرانية.
لقد تحول هرمز إلى واحدة من أهم أوراق التفاوض في الحرب. فإيران تستخدم قدرتها على التأثير في حركة الملاحة باعتبارها وسيلة للضغط على واشنطن، بينما تعتبر الولايات المتحدة إعادة حرية الملاحة شرطًا أساسيًا لأي تسوية. وهذا ما جعل المضيق في الأسابيع الأخيرة نقطة التقاء بين الحرب العسكرية والحرب الاقتصادية والمفاوضات الدبلوماسية. وتقول طهران إن فتحه يمكن أن يتم في إطار اتفاق ينهي الحرب ويرفع الحصار عنها، بينما تريد واشنطن أن تكون حرية الملاحة نتيجة لتراجع القدرة الإيرانية على استخدام المضيق كورقة ضغط.
وفي هذا السياق قدمت إيران مقترحها ذي الأيام السبعة، الذي ربط وقف الأعمال القتالية ورفع الحصار الأمريكي والإفراج عن أصول إيرانية واستئناف صادرات النفط بإعادة فتح المضيق، ثم استئناف التفاوض بشأن الملف النووي. وقد وصفت طهران المقترح بأنه طريق عملي للعودة إلى التفاوض، بينما رأى محللون أن وضع هرمز في مقدمة المقترح يعكس رغبة إيرانية في استعادة ورقة اقتصادية وسياسية أساسية قبل الدخول في مفاوضات أوسع.
واللافت هنا أن إيران، رغم خطابها التصعيدي ورفضها ما تسميه الإملاءات الأمريكية، لم تغلق باب الدبلوماسية. فقد جرت اتصالات غير مباشرة بين الطرفين بوساطة قطرية، والتقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وحتى بعد رفض ترامب للمقترح الإيراني، أعلنت طهران استمرار تمسكها بالحل الدبلوماسي.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الحرب: الطرفان يتحدثان بلغة مختلفة عن التفاوض، لكن كليهما يستخدم التفاوض بوصفه امتدادًا للصراع وليس بديلًا عنه. واشنطن تريد التفاوض بعد أن تجعل العقوبات والحصار والضغوط العسكرية إيران أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات. وطهران تريد التفاوض بعد أن تثبت أن لديها القدرة على تعطيل حسابات واشنطن ورفع تكلفة استمرار الحرب. ولذلك يصبح السؤال ليس ما إذا كان الطرفان سيتفاوضان، وإنما أي منهما يستطيع أن يدخل التفاوض من موقع أقوى.

 الاستراتيجية الأمريكية تقوم، في جوهرها، على الجمع بين القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والعقوبات والحصار البحري، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا

ويبدو أن عامل الوقت يحتل موقعًا مركزيًا في الحسابات الأمريكية والإيرانية. الولايات المتحدة تراهن على أن استمرار العقوبات والحصار سيزيد الضغوط على إيران، وأن طهران ستصل في لحظة ما إلى قناعة بأن تكلفة استمرار المواجهة أصبحت أعلى من تكلفة التسوية. وفي المقابل، تراهن إيران على أن استمرار الحرب سيرفع أسعار الطاقة، ويزيد الأعباء على الاقتصاد العالمي، ويضاعف المخاطر على القوات والمنشآت الأمريكية في المنطقة، ويجعل حلفاء واشنطن أكثر ضغطًا باتجاه التسوية.
ومن هنا أيضًا أهمية العامل الأمريكي الداخلي. فقد ربط ترامب في تصريحات سابقة توقيت التسوية بما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني، وهو ما يضيف بعدًا سياسيًا أمريكيًا إلى الحسابات العسكرية والدبلوماسية للحرب. وفي المقابل، تحاول طهران استخدام ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الملاحة للضغط على الإدارة الأمريكية وعلى شركائها.
لكن أخطر ما في استمرار هذه الاستراتيجيات هو أن كل طرف قد يخطئ في تقدير قدرة الطرف الآخر على التحمل. الولايات المتحدة قد تفترض أن العقوبات والحصار سيؤديان سريعًا إلى تغيير الموقف الإيراني، بينما قد تفترض إيران أن ارتفاع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها سيجبر واشنطن عاجلًا على تقديم تنازلات. وفي الحالتين قد يتحول سوء التقدير إلى إطالة للحرب وتصعيد جديد.
ولذلك فإن آفاق الحرب تبدو مفتوحة على ثلاثة مسارات مترابطة. المسار الأول هو استمرار الحرب والاستنزاف، مع ارتفاع المخاطر على الملاحة والطاقة وتوسع العمليات إلى ساحات إقليمية أخرى. وهذا المسار لا يعني بالضرورة انتصار أحد الطرفين، بل قد يعني تحول الحرب إلى مواجهة طويلة منخفضة أو متوسطة الشدة تتخللها جولات تصعيد وهدنات مؤقتة.
المسار الثاني هو العودة إلى تفاوض مرحلي، يبدأ بوقف إطلاق النار ومعالجة أزمة هرمز، ثم ينتقل إلى الملف النووي والعقوبات وبقية القضايا الأمنية. وهذا المسار يبدو أكثر قابلية للتحقق إذا تمكن الطرفان من الفصل مؤقتًا بين القضايا التي يستحيل حلها دفعة واحدة، وبين الإجراءات العاجلة التي يمكن أن توقف النزيف العسكري والاقتصادي. لكن انهيار مذكرة التفاهم السابقة يجعل بناء الثقة أكثر صعوبة. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن واشنطن تريد معالجة الملفات في حزمة واحدة، بينما تميل طهران إلى ترتيبها على مراحل.
أما المسار الثالث فهو التوصل إلى تسوية أوسع تعيد تعريف أمن الخليج والشرق الأوسط، لا باعتباره علاقة ثنائية بين واشنطن وطهران فقط، وإنما باعتباره قضية أمن إقليمي تشترك فيها دول الخليج والدول العربية وإيران وتركيا وإسرائيل، مع ترتيبات واضحة لحرية الملاحة وعدم استخدام القوة وتسوية النزاعات.
وهذا المسار الأخير هو الأهم على المدى البعيد، لأن إعادة إنتاج الترتيبات التي سبقت الحرب لن تمنع تكرارها. فلا يكفي أن تتوصل واشنطن وطهران إلى اتفاق مؤقت بشأن هرمز أو الملف النووي إذا بقيت المنطقة مفتوحة أمام سباقات القوة والضربات العسكرية والحروب بالوكالة وغياب قواعد مشتركة للأمن الإقليمي.
لقد كشفت الحرب أن أمن الشرق الأوسط لا يمكن أن يستند بصورة دائمة إلى الوجود العسكري الأمريكي، كما لا يمكن أن يقوم على قدرة إيران على استخدام الممرات المائية أو القوى المسلحة المرتبطة بها كأدوات ضغط إقليمية. الأمن المستدام يحتاج إلى ترتيبات جماعية تضمن حرية الملاحة، وتحترم سيادة الدول، وتحد من استخدام القوة، وتفتح المجال أمام التفاوض والوساطة وتسوية النزاعات.
ومن ثم فإن المخرج من الحرب لن يكون في قدرة الولايات المتحدة على إخضاع إيران، ولا في قدرة إيران على الصمود إلى ما لا نهاية أمام الضغط الأمريكي، وإنما في انتقال الطرفين من منطق اختبار الإرادات إلى منطق التفاوض على قواعد جديدة للأمن الإقليمي. وحتى يتحقق ذلك، ستظل الحرب مفتوحة على التصعيد وعلى التسويات المؤقتة في آن واحد. وقد تكون المشكلة الأساسية في المرحلة المقبلة أن الطرفين يعرفان كيف يواصلان الحرب، لكنهما لم يتوصلا بعد إلى تصور مشترك لكيفية إنهائها.
٭ كاتب من مصر

✎

فريق تحرير الاستاد نيوز

فريق التحرير في الاستاد نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق