نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الاتفاق على عدم الاتفاق, اليوم الخميس 15 يناير 2026 05:31 صباحاً
فضيلة الاختلاف وحدود الخلاف؛ ليس الاختلاف في الآراء ظاهرة طارئة على المجتمعات الإنسانية، بل هو سمة أصيلة من سمات التنوع الفكري والثقافي الذي يميز البشر. غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في وجود الاختلاف، بل في طريقة إدارته وتحويله من مساحة ثرية لتبادل الأفكار إلى ساحة صراع تقصى فيها الآراء ويرفض فيها الآخر لمجرد أنه مختلف.
إن الوصول إلى اتفاق جامع بين الآراء ليس أمرا يسيرا، خاصة عندما يكون أطراف النقاش من ذوي الأمزجة الصعبة، أو من المتحجرين فكريا، أو أولئك الذين يتعاملون مع آرائهم بوصفها حقائق مطلقة لا تقبل النقاش. هؤلاء غالبا ما يرون في أي اختلاف تهديدا لمكانتهم وقناعاتهم، لا فرصة لإثراء الحوار. ومع أن الاختلاف أمر وارد ومشروع، فإن الخلاف يظل مرفوضا أخلاقيا وإنسانيا.
توجد شخصيات تسعى لفرض الرأي دون أدنى استعداد لسماع الآخر أو تقبل وجهة نظره، وهي ما يمكن تسميتها بـ»أصحاب الاتجاه الأوحد». هؤلاء لا يؤمنون بتعدد الزوايا، بل ينطلقون من قناعة نفسية مفادها أن التراجع والمراجعة ضعف، وأن الاختلاف انتقاص من القيمة الذاتية.
وقد فسر علماء النفس هذا السلوك بارتباطه بالخوف من فقدان السيطرة أو بهشاشة الثقة بالنفس، بينما تراه الدراسات الاجتماعية نتاجا لبيئات تربوية ووالدية تفرض التوجيه القسري وتكافئ على الطاعة وتجرم السؤال.
ومن هذه الزاوية، نجد أن عدم الاتفاق يحضر أحيانا لا لعدم سلامة الرأي وضعفه، بل لمجرد كونه رأيا مختلفا. وهنا تكمن المعضلة الكبرى رفض الفكرة لا لعيب فيها، بل لأن قائلها ومقترحها «ليس أنا». وقد عبر الفيلسوف الفرنسي فولتير عن هذا المعنى بقوله الشهير «قد اختلف معك في الرأي، لكني مستعد أن أدافع حتى الموت عن حقك في أن تقوله». هذا المبدأ، رغم بساطته، لا يزال غائبا عن كثير من نقاشاتنا اليومية.
تتجلى هذه المعضلة بوضوح في محيط العائلة والأصدقاء والعلاقات الإنسانية عموما، لا سيما عند تناول القضايا المصيرية؛ كالاختيارات الحياتية، أو القناعات الفكرية والدينية وحتى في أبسط الأمور كرحلات التنزه والاستمتاع واختيار المطاعم والأطعمة.
وقد يصل الأمر في حالات مؤلمة للقطيعة أو التحفظ أو الجفاء، وكأن العلاقة بأكملها كانت مشروطة باتفاق كامل في الرأي. بينما تظهر التجارب الإنسانية أن أكثر العلاقات نضجا هي تلك التي تحتمل الاختلاف دون أن تنكسر.
والأكثر إيلاما أن يصدر رفض الاختلاف أحيانا من أناس يفترض فيهم رجاحة العقل، وأصحاب القرار وجانب الحل والعقد، الذين تقع على عاتقهم مسؤولية إدارة التنوع لا قمعه. فالتاريخ يخبرنا أن أعظم المجتمعات لم تبن على صوت واحد، بل على حوار راق بين أفكار متعددة؛ ويكفي أن نتأمل تجربة تنوع الآراء في الحضارة الإسلامية، حيث كان اختلاف الرأي حاضرا حتى بين كبار الصحابة، وهو اختلاف الرحمة.
Yos123Omar@

















0 تعليق