نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مراحل الكلمة العربية من قداسة البيان إلى غواية الذكاء الاصطناعي, اليوم الخميس 15 يناير 2026 05:31 صباحاً
واليوم وبينما نفاخر بكون لغتنا بحرا يزخر بأكثر من اثنتي عشرة مليون مفردة نجد أنفسنا أمام منعطف تاريخي خطير، حيث تتحول هذه السيولة اللغوية إلى ثغرة ينفذ منها الذكاء الاصطناعي ليفتت عضد الوعي عبر ما يمكن تسميته بـ(فتنة التزييف البياني) حين يسرق الغريب لسان الدار من خلال استلاب البصمة الروحية!!
قديما كان (الإسناد) هو سياج الحقيقة ومنجى العرب من خديعة الكذب؛ فكان القول لا يستقيم إلا بصدق قائله، أما اليوم فإن الذكاء الاصطناعي يعمد إلى تفكيك مفهوم (الإسناد البصري والسمعي) من جذوره.
نحن لا نواجه تزييفا للمعلومة فحسب بل نواجه موتا للحقيقة المادية، إذ تستطيع الخوارزميات اليوم محاكاة نبرة الصوت بصياغة بلاغية تفيض جزالة لتسرق من المرء هويته الروحية.
إن الخطر يكمن في قدرة الآلة على هندسة (فتنة) بلسان عالم رصين أو صياغة تحريض بنبرة قائد ملهم، مستغلة طبيعة الشخصية العربية (السمعية) التي تهتز طربا وتصديقا لروعة البيان وفصل الخطاب، فإذا بالبلاغة التي كانت طريقا للهدى تصبح في يد الآلة سبيلا للضلال.
بينما يميل العربي بطبعه إلى تغليب ما (يرى ويسمع) كدليل قاطع لا يأتيه الباطل من بين يديه.. تأتي تقنيات (التزييف العميق) لتلعب على هذه الثغرة السيكولوجية، وهنا تتحول الكلمة من (أمانة) إلى (خيانة) فالعقل الذي يعظم (القول الفصل) يقع صريعا في فخ التصديق قبل أن يعمل مبضع النقد في المحتوى، وهنا نكون ضحية التضليل ويسقط التثبت في فخ اليقين البصري.
لقد انتقلنا من عصر (الشك) في الرواية إلى ما هو أدهى، وهو استحالة اليقين في المشاهدة، وهي حالة من العدمية المعرفية حيث يختلط الحابل بالنابل ويصبح المشاهد إما مصدقا لكل سراب يحاك ببراعة أو كافرا بكل حقيقة بدعوى أنها محض تزييف!!
تفتيت النسيج الاجتماعي بـ(البلاغة المصطنعة)
إن غنى لغتنا بالمترادفات والاشتقاقات، وهو مبعث فخرنا، بات اليوم مادة دسمة لتوليد محتوى (طائفي) أو (قبلي) ببراعة تفوق قدرة البشر على التمييز، والخطر الحقيقي هنا ليس في المعلومة الخاطئة بل في القالب البلاغي الذي تسكب فيه! فالآلة تجيد الآن محاكاة الفخر والهجاء والاستعطاف بدقة متناهية مما يجعلها سلاحا فتاكا لإحياء النعرات التاريخية ونسبتها إلى رموز بأسلوبهم الذي يشبههم تماما!!
أزمة الثقة في زمن السيولة الرقمية
في عصر السيولة الرقمية تفقد الكلمة قدسيتها حين تصبح (رخيصة) وسهلة التوليد وإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على صياغة معلقة تضاهي المعلقات أو خطبة تماثل خطب القادة فماذا يتبقى لفرادة الإنسان؟
إننا نخشى (التفتيت العاطفي) حيث تستخدم صور القادة والمؤثرين وهم ينطقون بما لم يقولوا لضرب وشائج الثقة بين الحاكم والمحكوم وبين أفراد المجتمع الواحد.
المآل: نحو (جرح وتعديل رقمي)
لحماية البيان العربي من هذا الزيف لا بد من العودة إلى فلسفة النقد:
- إحياء مدرسة التثبت: نحتاج إلى ذكاء اصطناعي مضاد يعمل كخبير في الجرح والتعديل الرقمي.
- الوعي بالبلاغة الآلية: يجب أن ندرك أن (جمال اللفظ) لم يعد قرينا بالضرورة لصدق المصدر!
- الشك المنهجي: تبني قاعدة ذهبية جديدة (كل ما خلف الشاشة احتمال وليس حقيقة حتى يثبت العكس).
@_shaas_

















0 تعليق