هل المدينة الذكية هي مدينة تقنية؟

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل المدينة الذكية هي مدينة تقنية؟, اليوم السبت 25 أبريل 2026 05:31 مساءً

هناك خلط في مفهوم المدينة الذكية لدى البعض؛ هذا الخلط من وجهة نظري يخرج المدينة من نطاقها ليجعلها تتحول إلى مجرد «كيان تقني» أجوف خارج من سياقه الحضري، يشرف عليها مجموعة من مهندسي الحاسب الآلي. إشكالية هذا التحول الخطير أنه يؤثر على مفهوم المدينة نفسها لتصبح مجرد إشارات إنترنت ومستشعرات وبنية تحتية متقدمة.

في الواقع، ليس كل مدينة تستخدم التقنية يمكن وصفها بالذكية؛ فالمدينة الذكية هي التي تستفيد من الأنظمة الذكية في إطار يدعم مبادئ الاستدامة بما في ذلك أنظمة النقل الذكي، والبنية التحتية الذكية، والخدمات الذكية. تساعد المدينة الذكية صانعي القرار على اتخاذ القرار الأمثل من خلال حزمة من البيانات التي تتكيف زمنيا ومكانيا ويمكن إدارتها بسهولة.

التحول للمدينة الذكية ليس غاية في حد ذاتها؛ بل الغاية في رفع جودة حياة مجتمع المدينة في إطار الاستدامة. وهو ما يعني أن تكون المدينة ديناميكية ذات إطار حكومة عادل يدعم مبدأ مشاركة المجتمع ويستوعب فئات أصحاب المصلحة كافة. بعبارة أخرى، لقد جاء مفهوم المدينة الذكية ليسهل من حياة مجتمع المدينة وفي إطار يحافظ على ثقافة المدينة وقيم المجتمع، ويسهم في بناء الفرص الاقتصادية.

إن التحول المجرد نحو المدينة الذكية دون استيعاب تام للفجوات الاجتماعية وبناء أطر حوكمة يعني ابتلاع المدينة بقوى تقنية تخرجها من سياقها الحضري لتتحول مدن المستقبل إلى مجرد مكونات تقنية جامدة. نعم، نحن موعودون بجمود تقني عندما تتحول المدينة إلى منظومة رقمية تتصل بالخوارزميات في حال لم يتم ضبطها بإطار حوكمة عادل.

يمكن أن تتحول مدن المستقبل إلى «مشروع تقني» لتعيد مرة أخرى الإقصاء الاجتماعي ولكن بصيغ مختلفة حينما تتحول البيانات الرقمية إلى سلطة إقصائية، وتتحكم الأنظمة الرقمية في الخيارات والفرص وأنماط الحياة. أرى أن أبرز التحديات التي يمكن أن تصاحب المفاهيم المغلوطة للمدن الذكية تتمثل بالآتي:

أولا: الفجوة التكنولوجية، ونعني بها انحسار استخدام أدوات المدن الذكية بالإنسان الذكي، وهو الإنسان القادر على التعامل مع الأنظمة الذكية. هذه الفجوة يمكن أن تصنف المجتمع إلى مجتمع ذكي، ومجتمع خارج منظومة الذكاء وهو ما يعني إقصاء حضريا غير مباشر.

ثانيا: التحيز الخوارزمي، حيث تتحول البيانات إلى مجموعة من الأنظمة الجامدة وفي حال غياب الشفافية والرقابة يمكن أن تتحول هذه الأنظمة إلى أدوات لتوزيع متحيز للخدمات، مما يؤثر على مستويات العدالة الاجتماعية. وعليه، لا بد أن تأخذ المدن الذكية في عين الاعتبار تمكين المجتمع من خلال تطوير أساليب المشاركة المجتمعية الرقمية بما في ذلك اختيار البدائل، وتحديد أولويات المشاريع العمرانية.

ثالثا: انحسار الفضاء الحضري، حيث يتحول الفضاء المادي إلى فضاء رقمي سواء في التسوق أو الخدمات أو المشاركة المجتمعية الرقمية، وهو ما يؤثر على أنسنة المدينة.

رابعا: التعامل مع المدينة كمنظومة هندسية يشرف عليها خبراء التقنية ومهندسو النظم بلا فكر حضري.

المدينة الذكية ليست كيانا تقنيا مجردا من سياقه الاجتماعي، والتاريخ الحضري يعطينا دروسا حول التحولات الفاشلة للمدن والفجوات التي أثرت على تطورها عندما تم إغفال البعد الاجتماعي في عملية التخطيط العمراني.

ختاما، فإن التحدي المعاصر في التحول نحو المدن الذكية لا يتمثل في نقص البيانات أو تأهيل البنية التحتية المتقدمة أو الإنسان الذكي فحسب؛ بل في مدى قدرة هذه المدينة على تحقيق العدالة الاجتماعية بلا تحيز.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق