أحمد زكي يكتب: بين المواريث والأديان تتشتت الأذهان

منذ 24 دقيقة

 ما زالت الكلمة حائرة بين مفهوم لم يقصد ومقصود لم يفهم فإجعل كلمتك بسيطة حتى يفهم مقصدها وبين سخرية وجدية تأتى كلماتى كحقنة خفية فى وريد مقصدها المواريث والأديان تتشتت الأذان. 

هناك مواريث لا يكتبها محام ولا تقسمها محكمة ولا تدخل في وصية نحن لا نرث البيوت والأراضي والأموال فقط بل نرث أيضا عادات وأفكارا ومخاوف وقصصا تنتقل من جيل إلى جيل حتى يصبح بعضها جزءا من حياتنا دون أن نسأل عن أصله أو سببه كان طفل صغير يمشي مع أمه في آخر النهار وقبل أن يصل إلى نهاية الشارع سمعها تقول له ارجع يا ولد المارد واقف في آخر الشارع توقف الطفل ونظر إلى المكان فلم ير ماردًا لكنه رأى الظلام والظلام بالنسبة لطفل صغير يكفي لصناعة ألف مارد فعاد إلى البيت مقتنعا أن نهاية الشارع مكان لا يجب الاقتراب منه ولم يسأل لماذا يوجد المارد هناك فالأطفال لا يناقشون المارد عندما يأتيهم من صوت الأم أو الأب أو الجدة كبر الطفل قليلا وفي يوم رأى قطة سوداء تمشي أمامه فجاءه التحذير ما تلعبش مع القطة دي دي قطة سوداء وحتخطفك فترك القطة وهرب بينما القطة نفسها لم تكن تعرف أنه موجود وكانت تبحث عن طعامها أكثر مما تبحث عن الأطفال ثم جاء الليل وجاء معه قانون آخر ما تروحش البحر بالليل جنية البحر بتطلع فابتعد الطفل عن البحر ولم يكن يعرف أن البحر في الليل له أخطار حقيقية لا تحتاج إلى جنية حتى تكون خطيرة. 

وهكذا كان عالم الطفولة مليئا بالمارد والعفريت والجنية وأمنا الغولة وكل واحد منهم يؤدي وظيفة محددة عند الكبار. 

في الريف كان الناس يستيقظون من الفجر ويبدأ الفلاح يومه مبكرا وعندما يأتي الظهر تكون الشمس في أشد قوتها فكان الطفل يسمع ما تخرجش وقت الظهر عفريت القيلولة هيخطفك لم يكن الهدف صناعة أسطورة بقدر ما كان وسيلة بسيطة لإبقاء الأطفال في البيت وقت الحر  وبقي العفريت وهنا تتحول الحاجة إلى قصة ثم تتحول القصة إلى موروث ينتقل من الجدة إلى الأم ومن الأم إلى الأبناء ثم جاء دور عامود النور فقد كانت بعض الكوابل عند مناطق العزل تصدر أصوات زنة مرتفعة وقد يظهر منها شرر كهربائي فكان الطفل يسمع الصوت ويرى الشرر ثم يسمع الجملة الشهيرة ما تقربش من عامود النور ده عليه عفريت بينور بالنسبة للطفل كانت المسألة محسومة فالعفريت موجود والدليل أن العمود بيزن وبينور كبر الطفل واختفى العفريت لكن التحذير بقي وفي كل شارع تقريبا كان هناك مكان له سمعة خاصة نهاية شارع أو بيت مهجور أو مكان مظلم أو شجرة كبيرة وكان الحل الأسهل هو المارد ما تروحش هناك المارد واقف في آخر الشارع وبهذه الطريقة ظل الطفل قريبا من البيت من غير محاضرة طويلة عن مخاطر الطريق أو السيارات أو الأماكن المهجورة مارد صغير في الكلام كان يوفر على الكبار كلاما كثيرا ثم تأتي القطة السوداء التي أصبحت عند بعض الناس رمزا للخوف رغم أنها في النهاية مجرد قطة ولونها ليس شهادة على حسن السلوك أو سوءه وكانت الجملة كافية ما تلعبش مع قطط الشارع القطة السوداء حتخطفك فيبتعد الطفل عن قطط الشوارع وينتهي الأمر ثم يأتي البحر الجميل في النهار المختلف في الليل فيقال للطفل ما تروحش البحر بالليل جنية البحر بتطلع فيعود إلى البيت من غير شرح طويل عن الظلام أو الصخور أو التيارات أو صعوبة رؤية الطريق وعندما يحين موعد النوم تبدأ مرحلة أخرى أمنا الغولة وعفريت الليل وحكايات لا تنتهي وفي بعض البيوت كانت أمنا الغولة تؤدي وظيفة أهم من أي منبه فإذا لم يأكل الطفل قيل له أمنا الغولة جاية وإذا لم ينم قيل له هتيجي تاخدك. 

وكانت أمنا الغولة تعمل طوال الليل بلا راتب ولا إجازات ثم يكبر الطفل ويكتشف أن أمنا الغولة لم تكن تسكن في الشارع وأن كثيرا مما سمعه في طفولته كان له سبب أبسط مما تخيل من الموروث إلى الحقيقة وهنا نصل إلى الفكرة الأهم. 

هذه الموروثات لم تأت كلها من مصدر واحد فبعضها كان وسيلة لحماية الطفل وبعضها محاولة لتفسير شيء غير مفهوم وبعضها للتسلية وبعضها ارتبط بعادات وظروف اجتماعية قديمة ومع مرور السنوات اختفى السبب وبقي الكلام وانتقل من جيل إلى جيل حتى أصبح الناس أحيانا يرددونه دون أن يعرفوا من أين جاء وهنا تظهر المشكلة عندما تختلط الموروثات الشعبية بالدين الموروث شيء والدين شيء آخر قد نحب ما ورثناه من آبائنا وأجدادنا وقد نحفظه وقد نضحك عليه وقد نحكيه لأطفالنا باعتباره جزءا من ذاكرة الطفولة لكن عندما ننسب أمرا إلى الدين فعلينا أن نعرف دليله ليس كل ما قالته الجدة دينا وليس كل ما تعارف عليه الناس حكما دينيا وليس كل ما ورثناه حقيقة فالتراث له مكانه والدين له مكانه
ومن هنا تأتي أهمية التفرقة بين ما ورثناه من عادات وما ورثناه من ثقافة شعبية وبين ما ثبت بالدليل في الدين
فالإنسان مطالب بأن يعرف قبل أن يتبع وأن يفرق بين المعلومة والرواية وبين العادة والحكم وبين الخوف الشعبي والحقيقة من الكهنة إلى الهاتف
ومنذ القدم والإنسان يبحث عن تفسير لما لا يفهمه ولذلك ظهرت قصص كثيرة حول المجهول وارتبطت بها تصورات مختلفة عند الشعوب وتداخلت في بعض المجتمعات مع الكهنة والكهنوت وطرق تفسير العالم المحيط بالإنسان
واليوم تغيرت الوسيلة فقط
زمان كان الكلام ينتقل من فم إلى أذن واليوم ينتقل من هاتف إلى هاتف
زمان كان واحد يقول أنا سمعت واليوم يرسل شخص رسالة ويكتب معلومة مؤكدة. 

ثم يبدأ الميراث الجديد نحن لا نرث المال فقط بل نرث طريقة التفكير ونرث العادات ونرث الخوف ونرث الذكريات بعض ما نرثه جميل ويستحق أن يبقى وبعضه يحتاج إلى مراجعة وبعضه مجرد موروث شعبي وبعضه لا علاقة له بالدين أصلا ولهذا لا نحتاج إلى محاربة التراث بل نحتاج إلى فهمه نعرف العادة كعادة والموروث كموروث والقصة كقصة والدين كدين حين يتوقف الخوف ويبدأ الفهم وربما كان الطفل الذي خاف من المارد في نهاية الشارع أكثر حظا من طفل عاش حياته وهو يخاف من أشياء لا يعرف أصلها المارد لم يكن هناك والقطة السوداء لم تكن تريد خطفه وعفريت القيلولة لم يكن ينتظر خروجه وقت الظهر وعفريت عامود النور لم يكن يسكن فوق العمود وجنية البحر لم تكن تنتظر الأطفال ليلًا. 

كان وراء كثير من هذه الصور سبب بسيط ثم ضاع السبب وبقي الخوف وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية عندما ننسى أن الأمر مجرد موروث ثم نعامل الموروث كأنه حقيقة ثابتة ثم نضع فوقه لافتة مكتوب عليها الدين قال فلنحترم ما ورثناه من آبائنا وأجدادنا لكن لا نقدس كل ما ورثناه. 

ولنحفظ قصص الطفولة في مكانها الجميل داخل الذاكرة والتراث وحكايات ما قبل النوم أما الدين فله مصادره وأدلته ومكانه الذي لا يصح أن نخلطه بكل ما وصل إلينا من عادات وأقوال لأن أخطر ما يمكن أن نورثه لأبنائنا ليس ماردًا في آخر الشارع ولا عفريتًا فوق عامود النور ولا جنية في البحر بل فكرة لا نعرف حقيقتها ثم نطلب منهم أن يؤمنوا بها فإذا كان الميراث مالا سألنا عن صاحبه وإذا كان عادة سألنا عن سببها وإذا كان موروثا شعبيا سألنا عن أصله وإذا كان دينا سألنا عن دليله وعندما نعرف الفرق لا نقتل التراث ولا نهدم الذاكرة ولا نخلط الدين بالموروث بل نترك لكل شيء مكانه الميراث ميراث والموروث موروث والدين دين وعندها فقط تتوقف الأذهان عن التشتت وتبدأ في الفهم..


تحياتى ومن عندياتى،،، 


*قرمشة:

-  الموروث يُحترم ولا يُقدّس.

 

- ليست كل حكاية حقيقة.

 

- فرّق بين الموروث والدين.

- ما ورثناه ليس كله صوابا.
-حين يغيب الدليل يولد الخوف.
                  إلى اللقاء،،

✎

فريق تحرير الاستاد نيوز

فريق التحرير في الاستاد نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق