نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
اغتيال الحقيقة في زمن العالم الرقمي, اليوم الاثنين 27 أبريل 2026 09:51 مساءً
في العصر الرقمي، لم تعد الحقيقة تحجب كما كان يحدث في الأزمنة السابقة، بل تغرق. تحاصر بعشرات السرديات، وسيل لا ينقطع من التعليقات، والتحليلات المرتجلة، والتفسيرات المتعجلة، حتى يصبح التحقق منها عملا مرهقا لا يطيقه كثيرون. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: فحين ينهك الإنسان من الفرز، ويفقد قدرته على التمييز، يصبح أقرب إلى تصديق الرواية الأسهل، أو الأسبق، أو الأكثر موافقة لعاطفته، لا الرواية الأدق والأصدق.
في الماضي، كانت الرواية الإعلامية تمر غالبا عبر عدد محدود من المؤسسات الكبرى، فتصل إلى الجمهور من بوابات واضحة، مهما قيل في انحيازها أو محدودية زواياها. وفي حرب الخليج الثانية عام 1991 مثلا، كان العالم ينتظر ما تنقله القنوات الكبرى ليرى الحرب من نافذة واحدة شبه جامعة. أما اليوم، فقد انهارت مركزية الشاشة الواحدة، وحلت محلها ملايين الشاشات، ولم يعد الجمهور متلقيا صامتا، بل صار جزءا من حركة النشر والتفسير والتأثير، وأحيانا من حيث لا يدري، جزءا من معركة أوسع من الحدث الذي يعلق عليه.
لم تعد أزمة الإنسان اليوم هي نقص المعلومات، بل فائضها المنظم. فالمستخدم لا يرى العالم كما هو، بل كما تسمح له به هندسة المنصات وخوارزميات الترتيب والترشيح. ما يثير انفعاله يدفع إلى الواجهة، وما يؤكد قناعته يتكرر أمامه، وما يخالف مزاجه أو موقفه يتراجع إلى الهامش. وبذلك لا يعود الناس يعيشون الحدث نفسه، بل يعيش كل منهم نسخة محررة منه، صيغت على مقاس اهتماماته، وانفعالاته، وتحيزاته السابقة. وهنا لا تصبح المشكلة في المعلومة وحدها، بل في البيئة التي تقدمها، وتمنح بعضها قوة مضاعفة، وتحجب عن بعضها الآخر فرصة الوصول.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الفضاء الرقمي لم يكن شرا خالصا. فقد أتاح كسر احتكار الرواية أحيانا، وفتح المجال أمام الشاهد المباشر، ومكن الجمهور من تتبع الوقائع من زوايا لم تكن متاحة من قبل. غير أن المشكلة ليست في انفتاح المجال ذاته، بل في أن أدوات التثبت تنمو أبطأ من أدوات التلاعب، وأن منطق المنصات يكافئ السرعة والإثارة أكثر مما يكافئ الدقة والتروي. وهكذا باتت الحقيقة تدخل السباق متأخرة، فيما تدخل الشائعة منذ اللحظة الأولى مسلحة بما يكفي من الصدمة لتضمن انتشارها.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليمنح هذا الاضطراب بعدا أكثر خطورة. لم يعد التزييف مقتصرا على اجتزاء المشاهد أو تحريف العناوين، بل صار بالإمكان تصنيع صوت لم يتكلم، ووجه لم يظهر، ومشهد لم يقع أصلا، بقدر كبير من الإقناع البصري والسمعي. وفي لحظات التوتر السياسي أو العسكري، لا يحتاج المقطع المزيف إلى وقت طويل كي يرسخ أثره؛ فغالبا ما يسبق النفي، ويزرع انطباعه الأول في الذاكرة، ثم يبقى هذا الأثر حتى بعد انكشاف الزيف. فالناس لا يتذكرون دائما ما ثبت بعد التحقيق، بقدر ما يتذكرون ما صدمهم أول مرة.
لهذا لم يعد السؤال في الأزمات الكبرى: ماذا حدث فقط؟ بل أصبح: من سيشرح ما حدث أولا؟ من سيحتكر اللحظة الأولى في تفسير الوقائع؟ من سيمنح الخسارة اسما آخر، أو يكسو الارتباك لغة الثبات، أو يعيد ترتيب المشهد بما يخدم غايته السياسية أو العسكرية؟ إن المعركة في زمن السرعة ليست على الحدث وحده، بل على معناه. ومن يسبق إلى تأطير الوقائع في وعي الجمهور، قد يربح أثرها النفسي والسياسي، حتى لو جاءت التفاصيل اللاحقة بما يضعف روايته.
ومن هنا، فإن الأمية الإعلامية اليوم لم تعد أن يجهل الإنسان القراءة والكتابة، بل أن يصدق بسرعة، وأن يشارك قبل أن يفهم، وأن يتعامل مع أول ما يصله بوصفه الحقيقة الكاملة. أما الوعي في زمن الضجيج، فليس أن تعرف كل شيء، فذلك متعذر، بل أن تحسن التوقف، وأن تقاوم غواية السرعة، وأن تسأل قبل التفاعل: من المصدر؟ ما السياق؟ ما الذي حذف من الصورة؟ من المستفيد من هذا التوقيت؟ ولماذا وصلتني هذه الرواية الآن تحديدا؟
إن الحقيقة في زمن العالم الرقمي لا تموت لأنها غائبة، بل لأنها تصل متأخرة، إلى جمهور أنهكه الضجيج. وأخطر الحروب اليوم ليست تلك التي تستهدف الأرض فقط، بل التي تستهدف قدرتنا على معرفة ما يحدث فوقها، فلم تعد الخسارة في الميدان فقط، بل في الوعي نفسه؛ وحين يصاب الوعي، يصبح الدفاع عن الحقيقة جزءا من الدفاع عن الأمن، وعن الاستقرار، وعن القدرة على فهم العالم كما هو، لا كما يراد لنا أن نراه.

















0 تعليق