ترقب شديد رافق إعلان نتائج الانتخابات، فقد تأخرت وزارة الداخلية أكثر من ساعتين على المقرر لتعلن عن النتائج، ولوحظ أن كلا من حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة سارعا إلى إعلان تصدرهما للمشهد السياسي حتى قبل أن يتم الإعلان عن النتائج الرسمية.
في نهاية المطاف، تم الإعلان عن النتائج الرسمية، يتصدر حزب الأصالة والمعاصرة للمشهد السياسي بـ97 مقعدا، واحتلال العدالة والتنمية للمرتبة الرابعة بـ 54 مقعدا مضاعفا بذلك مقاعده مقارنة مع انتخابات 2021 بأكثر من أربع مرات وتراجع الحزب القائد للحكومة بحوالي 36 مقعدا.
في واقع الأمر، تختلف طرق قراءة نتائج الانتخابات كما قدمت رقميا من قبل وزارة الداخلية، وذلك بحسب زاوية النظر. القراءة التي تبحث تطور كل حزب على حدة بغض النظر عن الرسالة السياسية وراء ذلك، تسجل حقيقة أن حزب العدالة والتنمية هو المستفيد الأكبر من هذه الانتخابات، لكونه نجح في أن ينقل مقاعده من 13 إلى 54، يضاف إلى ذلك تقدم الأصالة والمعاصرة بعشرة مقاعد مع أنه كان جزءا من التحالف الحكومي، وفي مقابل ذلك يمكن أن نسجل أن الخاسر الأكبر هو حزب التجمع الوطني للأحرار الذي فقد 36 مقعدا، وحزب الاستقلال الذي فقد 16 مقعدا، إضافة إلى حزب الاتحاد الاشتراكي الذي فقد 8 مقاعد.
لكن هذه القراءة، تهم البعد الذاتي عند الأحزاب، أي الشعور بنشوة التقدم والاطمئنان على صحة المسار، أو القيام بنقد ذاتي قاس على خلفية تراجع انتخابي، وهي بالمناسبة لا تهم النسق السياسي، وما يفرزه من خارطة انتخابية تؤثر في التشكيلة الحكومية.
المعطى المختلف ضمن هذه القراءة، أن تقدم العدالة والتنمية، يتم تقييمه بشكل مختلف أيضا، فيمكن القول بأنه حقق انتصارا مهما بمضاعفة مقاعده قياسا إلى انتخابات 2021، ويمكن أن نقول بأنه لم ينجح في تحقيق انتظاراته المعلنة بتصدر نتائج الانتخابات.
وفي جميع الأحوال، لحد كتابة هذه السطور، لا نعرف كيف سيستقبل حزب العدالة والتنمية هذه النتائج التي منحته الرتبة الرابعة، وهو الذي أعلن بعد منتصف الليل أنه تصدر النتائج.
القراءة السياسية الكلية، تقول إن التحالف الحكومي بقي في مكانه رغم فقدانه 42 مقعدا، مما يعني أن تقدم العدالة والتنمية ليس مؤثرا بشكل كبير، فالتصويت العقابي، لم يشمل إلا حزبين (الأحرار والاستقلال)، بينما كسبت الأصالة والمعاصرة 10 مقاعد إضافية، وهو ما يعني أن العدالة والتنمية رغم مضاعفته لمقاعده أكثر من أربع مرات، فإن التحالف الحكومي لا يزال متصدرا للمشهد السياسي، ففي حالة إصرار الأصالة والمعاصرة عليه، سنكون فقط أمام تغيير لرأس الحكومة مع بقاء مكوناتها، مع تقوية المعارضة السياسية. وفي حالة تغيير تحالفاته بإبعاد الأحرار، فالأمر يختلف بحسب مكونات التحالف، لاسيما إن كانت العدالة والتنمية معنية به.
الأرقام تقول بأن المغاربة لم يختاروا إسقاط الحكومة، وإنما قاموا بقرصة أذن لمكونين منها، في حين تقول الأرقام بأن مكافأة الأصالة والمعاصرة بعشرة مقاعد، تعني رغبة في تصحيح وجهة الحكومة وسياساتها، لا إسقاطها.
معنى ذلك، أن حملة العدالة والتنمية التي تركزت أساسا على نقد السياسات الحكومية، لاسيما ما يتعلق بتضارب المصالح والريع وغلاء الأسعار والإخلال بمقتضيات الدولة الاجتماعية، ساعدت الحزب في مضاعفة مقاعده، لكنها في الآن ذاته، ساعدت أطروحة «تصحيح المسار» التي مثلها خطاب فوزي لقجع في الحلمة الانتخابية، ونسفت أطروحة «الاستمرارية» التي تبناها حزب الأحرار، أما حزب الاستقلال فقد دفع ضريبة جزئية، بفقدان 16 مقعدا، بسبب عدم مشاركته في التقاطبات السياسية التي عبر عنها الثلاثي الحزبي الأصالة والمعاصرة والأحرار والعدالة والتنمية، فساعدته ماكينته الانتخابية التقليدية على الإبقاء على قدر من الاستقرار في موقعه الانتخابي.
الإسلاميون يتقدمون ويكتسحون ثم يتراجعون بشكل كبير، ثم يستعيدون بعض العافية دون أن يحدث ذلك أي زلزال في المشهد السياسي
الاتحاد الاشتراكي، خسر 8 مقاعد، وذلك بسبب تركه لاستراتيجيته الانتخابية التقليدية القائمة على تشريح المناضلين لصالح ترشيح الأعيان، وبسبب عدم وضوح مواقفه السياسية وتردده بين المعارضة وبين دعم حكومة عزيز أخنوش، في حين، يبقى تراجع التقدم والاشتراكية محدودا بثلاثة مقاعد، ويعزى الأمر نفسه إلى دخول سوق الرهان على الأعيان، وعدم القدرة على منافسة الأحزاب ذات الخبرة الكبيرة في خوض غمار الانتخابات بهذا النوع من المرشحين.
تحالف اليسار حقق نتيجة إيجابية، بكسبه لستة مقاعد إضافية تمكنه من تكوين مجموعة نيابية، وهو ما سيكون له أثر بإضفاء نوع من التعددية السياسية على مستوى الطرح الإيديولوجي والسياسي وأيضا على مستوى المعارضة، فيمكن أن تعمق الخلافات داخل المعارضة في حال وجد العدالة والتنمية نفسه فيها.
الرسالة التي يمكن التقاطها من نتائج هذه الانتخابات، أن المغرب بهذه النتائج الانتخابية كرس صورة استثناء وذكاء سياسي غير متداول في العالم العربي، محوره الأول، أن الإسلاميين يتقدمون ويكتسحون ثم يتراجعون بشكل كبير، ثم يستعيدون بعض العافية دون أن يحدث ذلك أي زلزال في المشهد السياسي، ومحوره الثاني أن التصويت العقابي حاضر ويعطي مضمونا للسياسة (التصويت ضد الأحرار خاصة)، وهو ما يؤشر على وجود دورة ما في التناوب السياسي بين النخب، وثالثها أن معارضة الناخب للحكومة لا تعني دائما إسقاطها، بل قد يعني تصحيح وجهتها وتغيير قيادتها، وهو الوضع الذي أنتج في المغرب صورة متقابلة، حزب في المعارضة يتقدم، وحزب آخر في الحكومة يتقدم ويتصدر، وأحزاب في المعارضة تتراجع وحزبان في الحكومة يفقدان مقاعد دالة، ورابعها أن نتائج الانتخابات جاءت متكيفة مع التغيرات الإقليمية والدولية، فالمغرب الذي لا يتحمل تصدر الإسلاميين، يتحمل تقدمهم غير المؤثر في نسق السياسة، وهو بذلك يشغل فلسفة إبقائهم في الاحتياط لظرف قادم بدل الدخول في مواجهة معهم على شاكلة ما تفعل الأنظمة العربية في مصر وتونس وغيرهما.
فقد رسمت نتائج الانتخابات صورة قد تكون مقبولة منطقيا لدى الرأي العام أو على الأقل قد لا تكون مرفوضة مطلقا، فالحزب الذي عارض الحكومة بقسوة (العدالة والتنمية) تقدم بأربعة أضعاف، والحزب الذي يقود الحكومة (الأحرار) وتنسب إليه فظائع تضارب المصالح تراجع بنحو ملحوظ، وحزب المعارضة (الاتحاد الاشتراكي) الذي كان أقرب إلى دعم الحكومة وأفشل لجنة تقصي الحقائق حول دعم الأضاحي واستيراد لحوم الأبقار والأغنام تراجع، والحزب الحكومي الذي غير قيادته الخطابية والتواصلية (التحق فوزي لقجع) والتقط نقد المعارضة ووعد بالتصحيح تقدم، والقوى اليسارية الجديدة (تحالف قوى اليسار) على مجلس النواب ضاعفت مقاعده أربع مرات من 2 إلى 8 .
التحالفات القادمة يمكن لها أن تضيف عناصر جديدة، لا نرى مؤشراتها اليوم، لكن من الضروري أن يشعر المواطن أن ما يؤطرها ليس تأمين التحالف السابق بشروطه السابقة، بل تصحيح وجهته، والوقوف على الأخطاء التي تصيدتها المعارضة في سلوك الحكومة، لاسيما ما يتعلق بالمس بالقدرة الشرائية والاخلال بمقتضيات لدولة الاجتماعية.
٭ كاتب مغربي
- المستشار الرفاعي: معدلات غير مسبوقة في نظر الطعون وتحقيق العدالة الناجزة خلال العام القضائي
- مستشفى جابر ينجح في إجراء أول عملية على مستوى الشرق الأوسط لتبديل الصمام الأورطي عبر القسطرة
- وزيرة «الشؤون»: ضرورة اختيار مراقبين تعاونيين أكفاء لحماية أموال المساهمين
- «النجاة الخيرية» و«المحامين» تضعان الغارمين على طريق سوق العمل
- تشكيل محكمة الوزراء برئاسة المستشار هاني الحمدان

















0 تعليق