الدورة الـ 81 للأمم المتحدة والحاجة لتنفيذ القرارات

منذ 18 دقيقة

الحديث عن السلطة يتضمن مفاهيم عديدة في مقدمتها الصراع على الحكم ومبدأ التداول عليه، كما تستبطن امتلاك القوّة المطلوبة لضمان البقاء وقهر الخصوم. وكثيرا ما يتم التطرق لـ «استبداد السلطة» أو أن «السلطة مفسدة» وأمثال تلك المقولات. ويمكن القول إن الصراع على السلطة ليس ظاهرة جديدة، بل أنه ظاهرة تاريخية عامة تختلف باختلاف الدول والسياقات السياسية. كما أنه قديم قدم المجتمعات البشرية. وهذا الصراع مستمرّ، عبر الزمان والمكان؛ أينما توجد تجمعّات بشرية: كبيرة أو صغيرة، متخلّفة أو متمدّنة. ويندر أن يتخلّى من يعتلون سدّة الحكم (أي يصلون إلى ذروة السلطة) عن مواقعهم، بل يتمنى الواحد منهم قضاء العمر كله على رأس السلطة. وقد شهد العالم العربي القرن الماضي تشبثا بالسلطة منقطع النظير، حتى قيل إن الحاكم لا يفارق كرسي الحكم إلا في إحدى الحالتين: الموت أو الانقلاب. وقد تجاوزت منظومة الحكم الحديثة ظاهرة التشبث بالسلطة وذلك بإخضاعها لقرار الرأي العام من خلال الانتخابات. وإذا لم يكن منصب الرئاسة مرتبطا بعملية انتخابية واضحة، فإن الفترات الرئاسية عادة تُحدّد مدّتها. وفي الدول الغربية تنحصر الدورة الرئاسية عادة بأربع سنوات أو خمس، قابلة للتجديد من خلال صناديق الاقتراع. والهدف من ذلك عدم تشجيع ظاهرة «الحكم مدى الحياة».
الحديث عن الصراع على السلطة لا ينحصر بمناقشة تكوّن الدولة الحديثة ودور السلطة المركزية فيها، بل يتصل كذلك بإدارة المؤسسات الدولية الكبرى ومن بينها الأمم المتحدة التي بدأت الأسبوع الماضي دورتها الحادية والثمانون. هنا تتعدد القضايا التي يتطرق لها الزعماء في خطاباتهم، فمنها ما هو إقليمي أو محلّي، ومنها الاقتصادي والبيئي. كما تتطرق أحاديث الدبلوماسيين الخاصة إلى مسألة تمثيل دول العالم في إدارة المنظمات الدولية، وهي قضية طالما طرحت بقوّة في العقود الأخيرة. وتجدر الإشارة إلى أن منظمة الأمم المتحدة تم تشكيلها بعد الحرب العالمية الثانية، لتكون مرجعية في قضايا الحرب والسلم، لمنع تكرار ما حدث في الحربين العالميتين، الأولى والثانية. ولا تزال قضية التمثيل في هذه المنظمة موضع نقاش يحتدم في السرّ وإن تلاشى في العلن. وبشكل خاص تتطرق السجالات إلى تركيبة مجلس الأمن الدولي الذي تحظى الدول الخمس الكبرى بعضويته الدائمة، وتمتلك بذلك حق النقض (الفيتو). وما أكثر التساؤلات حول هذه التركيبة وما إذا كانت، بعد أكثر من ثمانين عاما، تمثل اليوم موازين القوى في العالم، كما كانت آنذاك. ومع أن المنظمة لا تملك آليات تنفيذ قراراتها، فقد بقيت محط أنظار العالم، والكيان الأكبر الذي يمثل قدرا من التوافق الدولي على العمل المشترك ضمن آليات تفتقر عادة لآليات التطبيق.
وفي خطابه الافتتاحي للدورة الحاليّة، قال الأمين العام للأمم المحدة إن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها أن تؤمّن السلام، كما أن القوة الاقتصادية وحدها لا يمكن أن تؤمّن الاستقرار. وبذلك حدّد أفقا للسجال الدولي قائلا: «إن المنافسة لا تعني المواجهة، بل قد يعزز ذلك الأمور الإيجابية والاستقرار والتعاون والقوة العسكرية وحدها لا يمكنها أن تؤمّن السلام، كما أن القوة الاقتصادية وحدها لا يمكن أن تؤمّن الاستقرار.» والواضح أن الأمين العام يدرك ما ينتظر العالم من مخاطر إذا لم تكن هناك خطوات أكبر نحو التفاهم والتقارب خصوصا بين الدول الكبرى. وجاءت زيارة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، إلى الولايات المتحدة لتساهم في خفض حدّة التوتر في العالم وذلك بالتركيز على التعاون الاقتصادي. ولم يرشح الكثير عن تلك الزيارة، ولكن يتردد أن الطرفين تطرقا لموضوع «الذكاء الاصطناعي» الذي أصبح يهدّد أمن العالم. وهناك مطالبات دولية لوقف تطوير الذكاء الاصطناعي لكي لا يفقد الإنسان السيطرة بشكل كامل على أمن العالم واستقراره. وفي ضوء تصاعد القلق من مخاطر الاستمرار بتطوير الذكاء الاصطناعي تقرّر أن تُخصص الدورة الحالية للأمم المتحدة لمناقشة ذلك على نطاق واسع والسعي للتوصل إلى اتفاق دولي بشأنه. ويدرك الأمين العام للأمم المتحدة خطر ذلك على الأمن الدولي، ولذلك قال: «لا يمكن للقوة التكنولوجية وحدها أن تحقق الأمن».

 القوة العسكرية وحدها لا يمكنها أن تؤمّن السلام، كما أن القوة الاقتصادية وحدها لا يمكن أن تؤمّن الاستقرار

وهنا يستمر السباق بين السعي لامتلاك السلطة والحفاظ على أمن العالم. فبرغم القمم الكثيرة التي عقدت على مدى العقود الثمانية الماضية، لا تزال العلاقات الدولية محكومة بالقلق والشك في نوايا زعماء الدول الكبرى، والخشية من وقوع أخطاء تؤدّي إلى نزاع دولي على غرار الحربين العالميتين. وقد تصاعد هذا القلق مع التطور التكنولوجي والسباق العسكري وتطوير الآلة لتحل محلّ الإنسان حتى في اتخاذ القرارات الخطيرة. ومع تراجع دور المنظمات والتحالفات الإقليمية، يُفترض أن تتوجه الدول للمنظمة الدولية وإعادة المصداقية إليها وتشجيع الزعماء على المساهمة الإيجابية لتقويتها. ولكن غياب الحماس الأمريكي لذلك، وسعي إدارة الرئيس ترامب لتهميشها وتجاوز قراراتها، من شأنه تهميش دور الأمم المتحدة وإضعاف دورها في منع حدوث النزاعات المسلّحة. ففي نهاية هذا العام تنتهي فترة ولاية الأمين العام للأمم المتحدة، ويُفترض أن تتوافق الدول على تعيين أمين عام جديد، فذلك ضروري لضمان استمرار عمل المنظمة الدولية ومجلس الأمن الدولي.
يدرك السيد غوتيريش استمرار القضايا الدولية التي بدأ عهده بالتعاطي معها. وأصبح الآن يكرّر الحديث ضد اعتبار القوّة التكنولوجية الضامن الأكبر للأمن الدولي. وقد رأى، خلال ولايته، كيف تم تهميش دور الأمم المتحدة في قضايا كبيرة خصوصا القضية الفلسطينية. وأدرك مدى ما يمكن ان تذهب إليه أمريكا لعرقلة دورها في قضية فلسطين. ولذلك خصّ تلك القضية باهتمام خاص مؤكدا على ما أطلق عليه «الحالة الكارثية للأراضي الفلسطينية». ولم يفته توضيح ذلك بالقول إن «ما شهدته من دمار في الأراضي الفلسطينية لم أشهده طيلة حياتي». كما قدّم شهادة تاريخية حول الاستمرار في بناء المستوطنات في الأراضي المحتلة قائلا إن ذلك يمثل «طيف تطهير عرقي». ولا شكّ أن مصطلح «التطهير العرقي» يلقى صدًى واسعًا في أرجاء العالم، وهو ما تسعى أمريكا وحلفاؤها للتقليل من شأنه لتجنيب المسؤولين الغربيين مسؤولية ما يتعرض له أهل فلسطين ضمن سياسات الإزاحة من أرضهم.
إن من الضروري الالتفات إلى مفهوم «السلطة» ودورها في فضّ النزاعات أو إشعالها. كما لا يمكن التغاضي عن الحالات التي تفشل تلك السلطة في التأثير على ما يجري، سواء على مستوى البلد الواحد أم على الصعيد الإقليمي أم ما يتعلق بالشأن الدولي. وليس جديدا القول إن العمل الدولي المشترك أصبح هو الآخر رهينة لصراع الدول التي تسعى للهيمنة عليه أو توجيهه لخدمة مصالحها الخاصة. وفي هذا الحال يفقد العمل المشترك مبررات وجوده لأنه يصبح أداة للطرف الأقوى الذي يمتلك وسائل السيطرة. فقد اتسم الموقف الأمريكي من المنظمات والهيئات الدولية بالانحياز الكامل، فإذا لم تساير هذه الجهات سياسات الاحتلال الإسرائيلي فإنها تتعرض لغضب أمريكي أدّى مرارا لانسحابها من تلك المنظمات. وهذه السياسة لا يمكن التعويل عليها لإدارة عالم يبحث عن العدل في السياسات والمواقف، ويتصدّى للانحراف والاحتلال والظلم. فلو أن أمريكا وقفت ضد بناء المستوطنات في الضفة الغربية لأعادت قدرا من المصداقية للموقف الدولي، ولأقنعت المشككين في جدوى العمل الدولي المشترك، بعدم واقعية شكوكهم. ولكن، بدلا من ذلك، اختارت الإدارات الأمريكية المتعاقبة الانحياز الصريح لـ «إسرائيل» وتنكّرت للفلسطينيين ليس في حقهم في وطن مستقل فحسب، بل حتى في حقهم في العيش كبشر، إذ أصبحوا يتعرّضون للتطهير العرقي المقيت.
هل لدى المؤسسات الدولية سلطة؟ أم أنها كيانات شكلية تم تأسيسها لتكون أدوات لدى القوى الداعمة للاحتلال؟ لقد أصاب السيد غوتيريش عندما دعا لإصلاح المنظمة الدولية ومجلس الأمن المنبثق عنها. والهدف من ذلك الإصلاح إعادة التوازن لعمل تلك المنظمات لتكون فاعلة في مجالات عملها، وبعيدة عن الانحياز أو التعرض للاستغلال والابتزاز من قبل الدول الكبرى خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية.

٭ كاتب بحريني

✎

فريق تحرير الاستاد نيوز

فريق التحرير في الاستاد نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق