لغة التدريس في الجامعات: بين الكفاءة التعليمية ومتطلبات العولمة

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لغة التدريس في الجامعات: بين الكفاءة التعليمية ومتطلبات العولمة, اليوم الأربعاء 17 يونيو 2026 07:51 صباحاً


تبنت كثير من الجامعات العربية خلال العقود الأخيرة تحولا واسعا نحو اعتماد اللغة الإنجليزية كلغة أساسية للتدريس في معظم التخصصات العلمية والطبية والهندسية في المراحل الجامعية، بدافع التكيف مع متطلبات العولمة وتعزيز فرص الخريجين في سوق العمل الدولي. ومع ترسخ هذا الاتجاه، يبرز تساؤل يتكرر في الأوساط الأكاديمية والمجتمعات المحلية وهو «هل الاعتماد على الإنجليزية بوصفها اللغة الوحيدة للتدريس هو الخيار الأكثر كفاءة لتحقيق هذه الأهداف؟».

تشير بعض الدراسات المقارنة إلى أن نماذج التدريس ثنائية اللغة قد تقدم نتائج أكثر توازنا في بعض التخصصات. ففي دراسة أجريت في السعودية على عينة من طلبة التخصصات الصحية، تبين أن أداء الطلاب الذين تعلموا بالمزيج بين العربية والإنجليزية أفضل في استيعاب المحتوى مقارنة بمن درسوا بالإنجليزية فقط، كما أبدى معظم المشاركين في الدراسة تفضيلهم لهذا النموذج (Advances in Medical Education and Practice, 2019, 16, 1063–1075).

ولا يقتصر هذا النمط على السياق المحلي أو العربي. ففي دراسة عشوائية أجريت في السويد و شملت أكثر من 2000 طالب في أحد تخصصات الحوسبة، سجل الطلاب الذين درسوا باللغة الإنجليزية أداء أقل مقارنة بمن درسوا بلغتهم الأم، مع ارتفاع في معدلات التسرب (Applied Linguistics Review, 2018, 15(6), 2373–2396). وفي اليابان، أظهرت دراسة في تخصص الكيمياء أن الطلبة الذين تلقوا تعليمهم بالإنجليزية واجهوا صعوبة أكبر في الأسئلة التحليلية مقارنة بزملائهم الذين درسوا باللغة اليابانية، رغم تقارب النتائج في الجوانب الحسابية (Assessment & Evaluation in Higher Education, 2020, 50(1), 67–82).

وتؤكد مثل هذه النتائج أن لغة التدريس ليست وسيلة لنقل المعرفة فقط، بل تدخل في بنية الفهم نفسها، وتؤثر في طريقة معالجة الطالب للمفاهيم العلمية وعمق استيعابه لها.

ومن زاوية أخرى لا تقل أهمية، فإن أثر هذا النموذج لا يقتصر على تجربة الطالب أو التكاليف المباشرة، بل يمتد إلى البيئة الأكاديمية نفسها. فقد تراجع الاهتمام بالتأليف والترجمة والنشر باللغة العربية مع ترسخ الإنجليزية بوصفها لغة التعليم والبحث والترقية. وأصبح كثير من الأكاديميين يوجهون إنتاجهم العلمي نحو الإنجليزية، ليس فقط لكونها لغة النشر الدولي، بل لأن معايير الترقية والتقييم الأكاديمي ترتبط بها بشكل شبه حصري. ونتيجة لذلك، تقلصت الحوافز المؤسسية لإنتاج مراجع عربية حديثة، مما عمق الفجوة في المحتوى العلمي العربي ورسخ الاعتماد على المصادر الأجنبية.

كما أن هذا النموذج يتطلب في كثير من البرامج الجامعية تخصيص سنوات تمهيدية لتقوية اللغة الإنجليزية قبل بدء التخصص، وهو ما يضيف عبئا زمنيا وماليا على الطالب والمؤسسة التعليمية، ويطيل مدة الدراسة مقارنة بنماذج يمكن فيها دمج اللغة داخل المحتوى التخصصي بشكل مباشر وأكثر انسيابية. وهذه المعطيات تؤيد أن النقاش حول لغة التدريس يجب أن لا يقتصر على اختيار لغوي بين العربية والإنجليزية، بل يمتد إلى تقييم شامل لكفاءة النموذج التعليمي من حيث جودة التعلم، وكلفة البرامج، وقدرة النظام الأكاديمي على إنتاج المعرفة وتطويرها.

خلاصة القول، إن لغة التدريس في الجامعات ليست خيارا لغويا بقدر ما هي قرار ينعكس على كفاءة التعلم وبنية الإنتاج العلمي. فالاعتماد على الإنجليزية يحقق ارتباطا مباشرا بالمعرفة العالمية، لكنه يفرض في المقابل تكاليف زمنية ومادية إضافية، ويؤثر في توازن إنتاج المحتوى العلمي المحلي. لذلك، لا يبدو أن الحل في الاعتماد الكامل على لغة واحدة، بل في نموذج أكثر مرونة يوازن بين العربية والإنجليزية بحسب طبيعة التخصص، بحيث تستخدم العربية في بناء الفهم وترسيخ المفاهيم، وتستخدم الإنجليزية في الوصول إلى المصادر العالمية والتواصل العلمي. بهذا التوازن يمكن تقليل التكلفة وتحسين كفاءة التعلم مع الحفاظ على الانفتاح الأكاديمي.

أخبار ذات صلة

0 تعليق