بيروت ـ داود رمال
دخلت الهدنة الممددة لثلاثة أسابيع إضافية في جنوب لبنان مرحلة بالغة الدقة، إذ تحول وقف النار إلى مساحة اختبار سياسي وأمني تحدد مستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تثبيت تفاهم طويل الأمد أو العودة إلى منطق التصعيد المفتوح.
التمديد الحالي لا يقرأ فقط في سياق منع الانفجار العسكري، بل باعتباره مهلة أميركية إضافية لصياغة مسار سياسي جديد تسعى واشنطن إلى فرضه ضمن ترتيبات إقليمية أوسع ترتبط بإعادة رسم خرائط الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
وقال مصدر ديبلوماسي في بيروت لـ «الأنباء»: «يكشف المشهد القائم أن الهدنة لاتزال هشة، وأن أي خطأ ميداني قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر. فإسرائيل تتعامل مع التمديد باعتباره فرصة لفرض شروط أمنية أكثر تشددا على الحدود الشمالية، وتحاول استثمار الضغط الدولي والإقليمي من أجل انتزاع ضمانات تتجاوز القرار 1701 التقليدي نحو ترتيبات أمنية أكثر عمقا، تشمل ضبطا كاملا للميدان الجنوبي، وتثبيت معادلات تمنع أي تهديد مستقبلي من الجانب اللبناني. في هذا السياق، جاءت المواقف الإسرائيلية الأخيرة لتؤكد أن اسرائيل لا ترى في الهدنة نهاية للمواجهة، بل مرحلة انتقالية تحتفظ خلالها بحقها في التدخل العسكري متى رأت أن أمنها مهدد».
وأشار المصدر إلى أن «العنصر الأهم في المرحلة الراهنة لا يكمن فقط في الميدان، بل في ما تحضره واشنطن خلف الكواليس. فالإدارة الأميركية بدأت فعليا إعداد وثيقة جديدة لتوسيع نطاق التفاهمات التي طرحت خلال الجولتين الأولى والثانية من المحادثات التمهيدية، وهي لا تكتفي بتثبيت وقف النار، بل تعمل على صياغة ما يشبه خريطة طريق تنفيذية تقود تدريجيا إلى اتفاق سياسي أوسع بين لبنان وإسرائيل. وهذه الوثيقة المرتقبة لا تبدو تقنية فقط، بل تحمل بعدا استراتيجيا يرتبط بمقاربة أميركية جديدة تعتبر أن استقرار الجنوب اللبناني يجب أن يتحول إلى مدخل لترتيب سياسي دائم، لا هدنة قابلة للانفجار».
ولفت المصدر إلى أن «الولايات المتحدة تدرك أن أي اتفاق مباشر بين لبنان وإسرائيل لا يمكن أن يولد دفعة واحدة، لذا تعتمد سياسة الخطوات المتدرجة. فالبداية تكون بتوسيع التفاهمات الأمنية، ثم الانتقال إلى تثبيت آليات مراقبة وضمانات دولية، وبعدها فتح الباب أمام تفاهمات سياسية أوسع قد تصل إلى شكل من أشكال السلام المنظم أو التسوية المستدامة. وهذا المسار لا يحمل بالضرورة عنوان التطبيع التقليدي، لكنه يسعى إلى إنتاج واقع جديد يمنع الحرب ويؤسس لمرحلة مختلفة من إدارة النزاع».
وأكد المصدر أن «واشنطن تنظر إلى لبنان باعتباره حلقة أساسية في مشروعها الإقليمي، خصوصا بعد التطورات المرتبطة بغزة وسورية والبحر الأحمر والملف الإيراني. ومن هنا، فإن الجنوب اللبناني لم يعد ملفا حدوديا منفصلا، بل جزءا من شبكة تفاهمات مترابطة تسعى الإدارة الأميركية إلى تثبيتها قبل أي تحولات أكبر في المنطقة. ولذا فإن الضغط الأميركي الحالي يهدف فقط إلى حماية إسرائيل أمنيا، بل أيضا إلى منع انهيار لبنان الكامل، لأن الفوضى الشاملة في بيروت تعني تلقائيا انفجار الحدود الشمالية لإسرائيل مجددا».
ورأى المصدر أن «العقبة الأساسية أمام أي تقدم تبقى داخلية لبنانية بقدر ما هي خارجية. فلبنان الرسمي يجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن الدخول في مسار تفاوضي تقوده واشنطن من دون الظهور بمظهر المتنازل سياسيا أو سياديا؟ وكيف يمكن التوفيق بين متطلبات الاستقرار الدولي وبين التوازنات الداخلية المعقدة؟ وهذه الأسئلة تجعل أي تفاوض مباشرا أو غير مباشر محكوما بحسابات دقيقة جدا، لأن أي خطأ في إدارة الملف قد يفتح أزمة داخلية لا تقل خطورة عن التهديد الخارجي».
وشدد المصدر على أن «الأسابيع الثلاثة المقبلة ستكون حاسمة، فإذا نجحت الإدارة الأميركية في تثبيت وثيقتها الجديدة وتحويلها إلى خريطة طريق مقبولة من الطرفين، فقد يدخل الجنوب اللبناني مرحلة مختلفة عنوانها الاستقرار المشروط والتسوية المتدرجة. أما إذا سقطت هذه الفرصة تحت ضغط الميدان أو الحسابات السياسية الداخلية، فإن الهدنة ستتحول إلى استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من المواجهة».


















0 تعليق