نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
القذف والسب في نظام الأحوال الشخصية السعودي.. حماية الشرف وحدود التجريم, اليوم الخميس 29 يناير 2026 03:51 صباحاً
تعد جرائم القذف والسب من أخطر الأفعال التي تمس كرامة الإنسان واعتباره الاجتماعي، لما تنطوي عليه من اعتداء مباشر على الشرف والسمعة، وهما من القيم التي تحظى بحماية خاصة في الشريعة الإسلامية والأنظمة السعودية.
ومع تطور أنماط التواصل واتساع دوائر التفاعل الاجتماعي، لم تعد هذه الجرائم محصورة في نطاق الأسرة أو الخلافات الشخصية، بل باتت تمتد إلى أماكن العمل، والفضاءات العامة، ومنصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي استدعى تنظيما قانونيا دقيقا يوازن بين حماية الكرامة الإنسانية ومنع إساءة استخدام الاتهام.
ومن هنا برزت أهمية تنظيم هذه الأفعال في نظام الأحوال الشخصية السعودي، إلى جانب الأنظمة ذات الصلة، تحقيقا للتوازن بين صون الشرف ومنع التعسف في الاتهام، وبين حماية الحقوق وعدم التوسع غير المبرر في نطاق التجريم.
في الفقه الإسلامي، يعرف القذف بأنه اتهام شخص بالزنا أو نفي نسبه دون بينة شرعية، وهو من كبائر الذنوب التي رتب عليها حد شرعي، نظرا لما يترتب عليه من هدم للأعراض وزعزعة للأمن الأخلاقي في المجتمع. أما السب، فيشمل كل قول أو فعل أو إشارة تنطوي على تحقير أو إهانة تمس كرامة الإنسان، دون أن تبلغ حد القذف الصريح.
وقد استلهم المنظم السعودي هذه المفاهيم من أصولها الشرعية، ففرق بوضوح بين القذف بوصفه جريمة ذات طبيعة خاصة وحدود شرعية، وبين السب باعتباره اعتداء على الكرامة الإنسانية يستوجب التعزير، مع مراعاة السياق الذي تقع فيه هذه الأفعال، ولا سيما داخل الأسرة والمجتمع.
وما يميز معالجة القذف والسب في نظام الأحوال الشخصية أن المشرع لا ينظر إليهما باعتبارهما جرائم خاصة فحسب، بل كجرائم عامة يترتب عليها أثر مباشر في كيان المجتمع واستقراره.
ولهذا، تتعامل المحاكم السعودية بحذر بالغ مع هذا النوع من القضايا، فتخضع الادعاءات لمعايير دقيقة في الإثبات، وتفرق بوضوح بين الادعاء المشروع القائم على قرائن معتبرة، وبين الاتهام المجرد الذي يقصد به الإيذاء أو الضغط أو التشهير.
ومن المبادئ المستقرة في القضاء السعودي أن الأصل براءة الذمة، وأن الاتهام بغير دليل لا يعتد به، بل قد ينقلب أثره على صاحبه. وبناء عليه، فإن من يتعمد القذف أو السب، سواء كان ذلك شفويا أو كتابيا أو عبر الوسائل الالكترونية، يعرض نفسه للمساءلة القانونية، وهو ما يعكس توجها نظاميا يوازن بين حماية الكرامة الإنسانية وعدم التضييق غير المبرر على الخصوم في ممارسة حق التقاضي والدفاع.
وعلى الرغم من أن نظام الأحوال الشخصية يعد الإطار الأبرز لمعالجة هذه القضايا، إلا أن القذف والسب قد يخضعان كذلك لأنظمة أخرى، مثل نظام الجرائم المعلوماتية إذا وقعا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو نظام الإجراءات الجزائية من حيث الاختصاص والعقوبة.
وهنا تتجلى أهمية الوعي القانوني، إذ يجهل بعض الأفراد أن عبارة واحدة تقال في لحظة غضب، أو رسالة ترسل عبر تطبيق الكتروني، قد تشكل دليلا كاملا يبنى عليه حكم قضائي مستقل، إضافة إلى ما قد يترتب عليها من آثار في دعاوى الأحوال الشخصية.
إن تجريم القذف والسب في الأنظمة السعودية لا يستهدف العقوبة بقدر ما يسعى إلى تهذيب الخطاب العام، وحماية الاستقرار الاجتماعي، وتعزيز ثقافة المسؤولية في استخدام الكلمة. فالمجتمع الذي تصان فيه السمعة، هو مجتمع أكثر استقرارا وثقة.
كما يعكس هذا التنظيم انسجاما واضحا مع رؤية المملكة 2030 في تعزيز العدالة، وحماية الحقوق، وبناء مجتمع واع يحترم الأنظمة ويصون كرامة أفراده.
ورغم هذا التنظيم الصارم، فإن النظام السعودي لا يجرم الرأي أو النقد المشروع، فالأصل هو حرية التعبير المنضبطة، ولا يساءل قانونا إلا من تجاوزها إلى الإساءة أو الاتهام أو التشهير. وتحرص المحاكم على التفرقة الدقيقة بين النقد الموضوعي، وإبداء الرأي، والسب أو القذف المجرم، وذلك من خلال إخضاع الدعاوى لمعايير دقيقة في الإثبات، منعا لإساءة استعمال الحق في التقاضي أو تحويل الأنظمة إلى أداة كيدية.
وبذلك نجد أن معالجة القذف والسب في نظام الأحوال الشخصية السعودي تعكس رؤية متوازنة تحمي الكرامة الإنسانية، وتصون الأسرة والمجتمع، مع التأكيد على أن العدالة لا تقتصر على العقوبة، بل تهدف إلى ترسيخ ثقافة الاحترام والمسؤولية في القول والفعل، في رسالة واضحة مفادها أن الكلمة أمانة، وأن تجاوزها قد يترتب عليه حساب شرعي ونظامي لا يستهان به.
law_mds@


















0 تعليق