«بيئة العمل الرمادية» تدمر بصمت

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
«بيئة العمل الرمادية» تدمر بصمت, اليوم الخميس 29 يناير 2026 03:01 صباحاً


قاتل جديد يتسلل بصمت وبخفة في بيئات العمل والإدارات، نشأ حديثا في الخفاء وتحت الظل، حيث ظهرت طرق وأساليب جديدة للتحكم والسيطرة على الموظفين في بيئات العمل بشكل سلبي ومخيف، تحت مسمى «متطلبات الجودة» و«تهيئة بيئة العمل وفق المعايير الحديثة»، وقد استغلت هذه التوجهات في بعض البيئات بصورة سلبية، فتحولت معايير الجودة من أدوات تطوير وتحفيز إلى أدوات ضغط ومساءلة شكلية، وأصبح التركيز منصبا على الأرقام والتقارير بدلا من العمل الحقيقي والمخرجات الجوهرية، وتحولت بعض بيئات العمل إلى مسلسل درامي مليء بالخداع واللف والدوران وسيناريو معد مسبقا من قبل الجهة الإدارية تجاه الموظفين ليبدأ المشهد الأول (أنت ويش تقول وأنا ويش أقول وأي رأي يطرح من قبل الموظفين نتفق على قولت كلمة «لا» وأنه ما ينفع وأن وجودكم ليس بالأهمية ذاتها).. هذا واقع للأسف.

اليوم نحاول أن نضيء معاناة بعض الموظفين الذين يشعرون أن هناك مشكلة وألما شديدا دون معرفة حقيقية لما يدار حولهم بطرق وأساليب أكثر خفاء وتأثيرا؛ لأن الأساليب القديمة أصبحت واضحة ومكشوفة وقد لا تتفق مع الأنظمة واللوائح، هي حالة استغلت المفاهيم الجديدة في بيئات العمل، تعرف بـ»بيئات العمل الرمادية»، ومن أبرز أسبابها: متطلبات جودة غير واقعية تفوق الإمكانيات، نقص في عدد الموظفين بسبب تسربهم، عدم تمكين الأكفاء منهم وتقديرهم، ضعف في القيادة بسبب عدم موضوعية اختيارهم، وانعدام الحوافز الذي يقتل روح المبادرة، والغموض وعدم الوضوح في الأدوار والمسؤوليات، إشاعة أن الموظفين لا يعملون ويكنون للراحة، تهميش الموظفين وجعلهم يشعرون بأنهم مجرد أرقام، وهم أو من سيأتي من بعدهم الشيء نفسه، عدم توفير مكاتب وأماكن عمل تناسب طبيعة عملهم وخصوصيته، تراكم المشكلات وتتداخل التحديات دون حلول واضحة، أزمة الثقة بين الموظفين أنفسهم وبينهم وبين رؤسائهم وكأن لسان حالهم يقول: (لم نأمر بها ولم تسؤنا، فرق تسد).

ويكلف الموظفون بمهام ليست من صميم مسؤولياتهم على حساب مهامهم الرئيسية، كإعداد مؤشرات الأداء ومعايير الجودة، والتي يفترض أن تكون من اختصاص القيادات المتخصصة، مع غياب الدعم أو التمكين الفعلي، وبدلا من إشراك حقيقي للموظفين في صناعة القرار، نجد أن ما يطرح منهم من آراء يقابل بالرفض المسبق أو يتم تجاهله، رغم دورهم الأساسي وخبرتهم الطويلة في تنفيذ العمل، ثم يقال إن المشاركة قد تمت لمجرد حضورهم الشكلي، أو لتواجدهم ضمنيا في الإدارة الفلانية، وعلى كل حال ستصادر آراؤهم عن طريق «خويهم مدير الإدارة بطل المسلسل الدرامي والوجه الجديد».

وهكذا يشعر الموظف مع الوقت بأن رأيه لا قيمة له وأن مشاركته مجرد ديكور، وبأنه أحمق مقابل آرائهم المقررة مسبقا، وقد تصادر بحجة عدم المفهومية، وهذا يضعف التواصل المفتوح بين الإدارة والموظفين ويعمق من حالة الغموض الذي له نتائج وخيمة على إنتاجية العمل وتسرب الموظفين.

يضاف إلى ذلك استغلال شعار «تمكين القيادات الشابة»، حيث تسند بعض المناصب القيادية المتوسطة والصغيرة إلى أشخاص يفتقرون للخبرة والكفاءة والشخصية الإيجابية، ليس لتميزهم، بل لمعرفة سابقة ولأنهم أكثر طواعية في تنفيذ التعليمات دون نقاش أو فهم لمآلات القرارات، وقد يوعدون بالقليل من الحوافز المادية إذا أحسنوا تحجيم زملائهم وتكميم أفواههم، مما يؤدي إلى تهميش الكفاءات الحقيقية التي قد تعارضهم لصالح الإنتاجية والعمل، وبالتالي الإضرار بجودة الأداء العام وروح الفريق داخل المؤسسة.

هذه العوامل مجتمعة تخلق مناخا غير صحي؛ فتفقد الحماسة، ويستهلك الجهد بلا مردود، مما يؤدي إلى تآكل الإنتاجية وارتفاع مستويات التوتر بين الموظفين، وزيادة معدلات الغياب والتسرب الوظيفي، وبالتالي يضعف الأداء ويهدد الاستقرار المؤسسي.

وعندما لا تكون هناك حوافز، ولا مسار وظيفي واضح، يبقى «الولاء» للمؤسسة قائما على الخوف أو الحاجة، لا على الانتماء، يكافأ الصامتون، ويقصى المجتهدون، وقد يسمع الموظف عندما يشتكي لأمر ما: «هذا هو الواقع لدينا، والمتاح، ولك الخيار: دربك خضر!»، جملة ساخرة لواقع أكثر قسوة: المؤسسة لا تبكي على أحد، لأنها لا ترى في الموظف إلا رقما يمكن استبداله، من يغادر لا يخسر مكانه فقط، بل يطرد من الذاكرة فورا، وكأنه لم يكن يوما.

تشير دراسة نشرت في مجلة أبحاث علم النفس الصحي الأمريكية إلى أن القيادة غير الكفؤة تؤثر سلبا على رضا الموظفين ودوافعهم، مما يؤدي إلى انخفاض الأداء وزيادة معدلات الغياب والتسرب الوظيفي، كما أن هذه القيادات غالبا ما تفرض أهدافا غير واقعية، مما يخلق بيئة عمل مليئة بالتوتر والضغط النفسي.

من المشكلات الشائعة أيضا تطبيق معايير الجودة الخاصة بالمصانع على المؤسسات التعليمية والاجتماعية، مما يؤدي إلى تجاهل الفروق الجوهرية بين هذه القطاعات، وهذا الخلط يفقد العمل معناه الحقيقي ويحول الموظفين إلى أدوات لتحقيق أرقام فقط، دون اعتبار للبعد الإنساني والتربوي.

بيئة العمل الرمادية تخلق تحديات خفية تؤثر على أداء الأفراد وصحتهم النفسية، أول هذه الصعوبات هو غموض الأدوار، حيث لا يعرف الموظف ما يتوقع منه بدقة، مما يؤدي إلى التشتت والتردد في اتخاذ القرار، وتزداد المشكلة تعقيدا مع ضعف التواصل بين الإدارة والموظفين، مما يفتح الباب للتأويلات والشائعات ويضعف الثقة داخل الفريق، وقد تكون الرسالة (من تحت الطاولة) ابحث عن مكان آخر لأن الإدارة تتعذرك!؟

تؤدي هذه العوامل إلى شعور الموظف بعدم الأمان الوظيفي، خاصة عند غياب الشفافية أو تغير القرارات بشكل مفاجئ، مما يخلق بيئة غير مستقرة نفسيا ومع الوقت، تبدأ هذه البيئة في استنزاف طاقة الموظف وتقلل من التزامه ورضاه الوظيفي.

تدعم هذه النتائج دراسة حديثة نشرت في مجلة الطب النفسي (2023م)، وجدت أن الغموض في الدور الوظيفي ساهم بشكل كبير في زيادة الإرهاق العاطفي والاغتراب المهني، مما يوضح أن بيئة العمل الرمادية لا تؤثر فقط على الإنتاجية، بل على الصحة النفسية أيضا.

لذا من الضروري أن تتبنى المؤسسات قيادات مؤهلة تدرك أهمية بيئة العمل التي توفر الأمان الوظيفي والدعم النفسي، وتقوم على العدالة وتقدير الكفاءات والخبرات، وتعتمد على معايير موضوعية في اختيار المديرين وتوزيع المناصب، وتحرص على توفير مكاتب تناسب طبيعة العمل وخصوصيته، وتعكس المكانة الوظيفية، كما تعزز إحساس الموظفين بأهمية دورهم المحوري في تحقيق أهداف المؤسسة، وتحقيق الرضا الوظيفي لهم، وتحسين بيئات العمل وخلق مساحات أرحب وتوازن أفضل بين بيئة العمل والحياة الاجتماعية والشخصية للموظفين مما ينعكس إيجابا على الانتماء والتحفيز والإنتاجية.

3OMRAL3MRI@

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق