هل أنت ميت؟!

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل أنت ميت؟!, اليوم الخميس 29 يناير 2026 03:51 صباحاً


في عالم كان الفلاسفة يسألون فيه لماذا نعيش؟ جاء عصر يطرح سؤالا أبرد وأقسى هل ما زلت موجودا؟ ظهر مؤخرا تطبيق صيني لا يهتم بمعنى الحياة، ولا بأسباب الموت بل يكتفي بمراقبة علامة واحدة وهي الحركة، فإن فتحت التطبيق فأنت حي وإن لم تفتحه لمدة يوم تبدأ احتمالية الفناء، تطبيق لا يعد بالحياة بل هو فقط يراقب غيابها، تطبيق بسيط في فكرته لكنه مرعب في دلالته، يحمل سؤالا لا يطرح عادة إلا في المقابر هل أنت ميت؟

هذا التطبيق هو أقرب إلى سجل وجودي رقمي، يشبه ما وصفه ألبير كامو بـ«العبث»: عالم لا يشرح نفسه، ولا يواسيك، فقط يسجل ما يحدث... أو ما لا يحدث.

لا يطلب التطبيق شيئا معقدا كل ما يريده أن تضغط عليه وتفتح الشاشة، مرة كل يوم حتى يتأكد أنك حي وإن لم تفتحه يتصل التطبيق تلقائيا برقم الطوارئ الذي تركته خلفك، كأنك تركت وصيتك الرقمية الأخيرة مفادها إن اختفيت ابحثوا عني، هذا التطبيق لا يهتم بسبب موتك ولا بكيفيته ولا بما كنت تشعر به قبل أن ترحل ولا يسأل هل كنت وحيدا أو خائفا أو تمنيت أن يلاحظك أحد أم لا، هو فقط يتعامل مع الحقيقة الأكثر برودة وهي أن جسدك قد يتوقف والعالم لا ينتبه أو يهتم، في مجتمع مثل الصين، حيث المدن مكتظة إلى حد الاختناق، يصبح الموت وحيدا مفارقة قاسية، ملايين البشر يعيشون متلاصقين، لكن كل منهم محبوس داخل حياته الخاصة الجيران لا يعرفون أسماء بعضهم، والزملاء يعرفون إنجازاتك لا غيابك، والعائلة قد تكون على بعد ساعات أو سنوات شعوريا.

فكرة التطبيق تكشف تحولا مخيفا في تعريف الحياة، حيث لم تعد الحياة تجربة داخلية، ولا وعيا، ولا إحساسا بالذات، بل مجرد تفاعل وضغطة زر واستجابة، إشارة تؤكد أنك لم تختف بعد، وإن اختفيت لا أحد يسأل لماذا، بل فقط من نخبر؟

التطبيق يفترض دون أن يقول، أن الإنسان لم يعد مركز اهتمام أحد وأن وجوده يحتاج إلى إثبات دوري، أن الصمت لم يعد تأملا، بل خطر، وكأننا انتقلنا من سؤال ديكارت: أنا أفكر إذن أنا موجود، إلى معادلة أكثر فقرا: أنا أضغط إذن أنا حي!، السوداوية هنا ليست في التكنولوجيا، بل في الحاجة إليها في أن يقبل الإنسان طوعا أن تختزل حياته في تنبيه مؤجل، في أن يوقع مسبقا على اعتراف غير منطوق مفاده «قد أموت، ولن يلاحظ أحد».

هذا التطبيق لا ينقذ الإنسان من العبث، بل يتعايش معه، لا يثور عليه كما دعا كامو، ولا يمنحه معنى، بل يقدم له نظاما منضبطا لإدارة غيابه، كأن الوجود نفسه أصبح ملفا مفتوحا، ينتظر تحديثا يوميا، وإلا اعتبر منتهي الصلاحية وربما السؤال الأعمق الذي يطرحه التطبيق ليس عن الموت، بل عن الحياة:
أي حياة هذه، التي إن توقفنا عن إثباتها قليلا... شك في أنها كانت موجودة أصلا؟، فالهاتف الذي ملأ حياتنا بالضجيج، أصبح حارسا للغياب، نقرة واحدة منه تفصل بين الوجود والاشتباه في الفناء بين أن تكون «موجودا» في النظام، أو مجرد اسم لم يضغط اليوم، كيف وصل الإنسان إلى مرحلة يحتاج فيها إلى تطبيق ليؤكد أنه ما زال حيا؟ وهل المشكلة في التكنولوجيا، أم في عالم أصبح فيه الانشغال الدائم أقوى من الروابط الإنسانية؟

ربما لا ينقذ التطبيق الأرواح، لكنه يفضح واقعا نعيشه جميعا بدرجات متفاوتة، عالم يخشى فيه الإنسان الموت لا لأنه النهاية بل لأنه قد يأتي في صمت دون أن يلاحظ أحد، التطبيق ليس حلا بقدر ما هو اعتراف جماعي بفشل العلاقات الإنسانية في مواكبة إيقاع الحياة الحديثة، حين تصبح نقرة على الهاتف بديلا عن جار يسأل، أو صديق يطمئن، أو عائلة تلاحظ الغياب يكشف عن مأساة صامتة عن إنسان يخشى أن يختفي من العالم دون أن ينتبه أحد، أن يموت في شقته الصغيرة، ويظل أياما دون أن يطرق بابه إنسان.

NevenAbbass@

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق